الشرق - 3/31/2026 7:02:48 AM - GMT (+3 )
من الميدان الى غرفة الأخبار، تواصل قناة الجزيرة تغطيتها للحرب الدائرة في الشرق الأوسط في ظل مشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد. في استوديوهات الأخبار، يقف المذيعون على خط التماس الأول مع الحدث، ينقلون تطوراته بلغة متوازنة، وتحت ضغط العواجل، وتسارع المستجدات يتابعون التطورات لحظة بلحظة، مستندين الى آليات التغطية ذاتها التي اعتاد عليها جمهور الجزيرة. تغطية لا تقتصر على نقل الخبر فحسب، بل تمتد الى تقديمه ضمن سياقات تحليلية أوسع تتداخل فيها الأبعاد السياسية والعسكرية والاستراتيجية، مع استشراف السيناريوهات المحتملة، رغم ما يكتنف ذلك من تحديات مهنية.
في هذا الإطار، يُطرح تساؤل محوري: كيف يتحقق التوازن بين ضغط التغطية ومتطلبات الأداء المهني الرصين في ظل حرب لا يُعرف مآلها، وتغطية مستمرة على مدار الساعة، وإلى أي مدى يمكن أن تكون فكرة «الهروب» بالمعنى المجازي مطروحة في سياق الحديث عن هذه المعادلة الموضوعية؟
عرضت السؤال على عدد من مذيعي الجزيرة فجاءت إجاباتهم لتعكس تجاربهم المباشرة ورؤاهم المهنية..
- محمد كريشان: الجزيرة لم تفقد توازنها في الحرب
قال المذيع محمد كريشان: هذه حرب لم يسبق للجزيرة أن خبرت مثيلا لها طوال ثلاثين عاما من عمرها، فهي لا تجري فقط على مقربة من قطر وإنما صواريخها تسقط على أرضها أيضا وتدمّر بعضا من قدراتها الاقتصادية وتربك سير حياتها العادي على جميع المستويات. وفوق هذا وذاك هي حرب لا أحد يدري إلى أين يمكن أن تؤول في النهاية وكم يمكن أن تستغرق. ورغم فرادة هذه الحرب فإن الجزيرة لم تفقد فيها توازنها ولا مهنيتها، ولله الحمد، وإن واجهت تحديا مختلفا هذه المرة عن بقية الحروب السابقة تمثل فيما يلي: من يرى في هذه الحرب عدوانا أمريكيا- إسرائيليا على إيران في انتهاك صارخ للقانون الدولي، وهو محق في ذلك، يريد من «الجزيرة» أن تتبنى خطا «نضاليا» لا همّ له سوى التنديد بهذا العدوان والتشهير به، بغض النظر عن أي شيء آخر.
أما الذي يرى أن إيران أخطأت خطأ جسيما في الرد على هذا العدوان باستهداف دول الخليج العربية، ومنها قطر، فيريد من «الجزيرة» أن تتبنى هذه الزاوية بالتحديد ولو على حساب طمس الزاوية الأولى.
القناة لم تسقط لا هنا ولا هناك، مما أثار استياءً عند أولئك الذين لم ينظروا إلى ما يجري إلا بعين واحدة. وهنا تميزت «الجزيرة» من ثلاث نواح أساسية رسّخت برأيي مهنيتها: الناحية الأولى إعطاء الأولوية للخبر مهما كان لأنه هو الأساس في أي تغطية إخبارية سواء كان موضوعه إيرانيا أو أمريكيا أو إسرائيليا أو خليجيا. إضافة الى شبكة مراسلين ممتازين ممتدة على طول وعرض الحدث ليس فقط في رقعته المعروفة وإنما أيضا في تداعياته الجغرافية المختلفة شرقا وغربا، مع نوافذ تحليلية يومية من طهران وواشنطن ولندن وبيروت.
ناهيك عن تنوع واسع في الضيوف، سواء الحاضرين في الأستوديو أو المشاركين من الخارج، فمنهم المتبني للسردية الإيرانية والآخر للأمريكية والآخر للخليجية مع تشكيلة متنوعة من الخبراء والمحللين في المجالات الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية. مضيفا: بتقديري أننا لم نغبن أي زاوية إخبارية كانت أو تحليلية بمنظور مهني متنوع، قد لا يعجب من يريد من المحطة أن تلبّي أهواءه وانحيازاته كلها، ولكن الأهم أن يلبي معايير الإنصاف والتنوع في التغطية والتحليل، خاصة وأن هذه الحرب متشعبة للغاية ومختلفة تماما عن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل طوال عامين ضد الفلسطينيين في قطاع غزة والتي أتت بتغطية متميزة مبهرة للجزيرة أيضا لكنها مختلفة عن التغطية الحالية.
- جلال شهدا: نوازن بين ضغط الزمن والتأثير
أوضح المذيع جلال شهدا أن التحدي الحقيقي في غرفة الأخبار لا يكون في سرعة نقل الحدث فقط، بل في القدرة على الحفاظ على المعنى وسط تدفق هائل من الوقائع.
مضيفا: التغطية المستمرة تنتج ضغطا مزدوجا: ضغط الزمن وضغط التأثير. الزمن يفرض علينا أن نكون أول من ينقل، والتأثير يفرض علينا أن نكون أدق من الجميع.
وتابع: نحاول إدارة هذا التوازن عبر ثلاث طبقات واضحة، أولا؛ الفصل بين الخبر والتحليل بحيث لا يحمّل الخبر ما لا يحتمل من تأويل. ثانيا، تعددية المصادر والزوايا لأن الرواية الواحدة في زمن الحرب غالبا ما تكون ناقصة أو منحازة. ثالثا، الانضباط اللغوي لأن الكلمة في زمن النزاعات ليست مجرد توصيف بل موقف ضمني. لكن مهما كانت الآليات المهنية صارمة يبقى العامل الإنساني حاضرا، فالمذيع أو الصحفي ليس آلة بل يتلقى صورا ومشاهد وضغوطا متراكمة وفي الوقت نفسه مطالب بأن يبدو متماسكا هادئا ومحايدا، هنا يبدأ التحدي الحقيقي؛ كيف تبقى إنسانا دون أن تفقد مهنيتك وكيف تحافظ على مهنيتك دون أن تفقد إنسانيتك.
ولفت إلى أن فكرة الهروب من الضغط قد تكون مضللة، إذ لا يوجد هروب حقيقي من تغطية مستمرة لحرب بل هناك إدارة واعية لهذه الضغوط، مضيفا: بالنسبة لي، قضاء أطول وقت ممكن مع عائلتي يكسبني طاقة، وممارسة رياضتي المفضلة «الجري» أحد أشكال إدارتي للضغوط، الى جانب القراءة غير السياسية.. لافتا الى أنه منكب على قراءة رواية «الأبله» لدوستويفسكي التي تمنحه فسحة فكرية.
- ليلى الشيخلي: الضغط لا يختفي لكنه قابل للإدارة
قالت المذيعة ليلى الشيخلي: في غرفة الأخبار، نُعامل السرعة كأداة لا كغاية. الخبر لا يُبث إلا بعد أن تتقاطع مصادره وتُفحص لغته وسياقه؛ الأفضل أن نتأخر دقيقة على أن نُضلّل جمهورنا في زمن أصبح التضليل الإعلامي فيه انتقاداً جاهزا قبل أن يحصل أحيانا ! لدينا في الجزيرة طبقات تحقق واضحة، وسلطة تحرير تُبطئ الإيقاع عند الشك وتسرّعه عند اليقين. أما شخصيًا، فأحاول أن أضع مسافة صحية: أخرج من الأستوديو وأترك الأخبار خلف الباب مؤقتًا. أتنفّس، أهدأ، أشرب قهوة بحليب جوز الهند وأعود بتركيز جديد وابتسامة. الضغط لا يختفي، لكنه يصبح قابلاً للإدارة حين نتعامل معه بوعي لا برد فعل، ونتقبل أنه يكشف لنا أحيانا جوانب من شخصياتنا لا ندركها إلا تحت وطأته.
- ميادة عبده: الحفاظ على التوازن سمة من سمات الجزيرة
أكدت المذيعة ميادة عبده أن الحفاظ على التوازن سمة من سمات الجزيرة خاصة في التغطيات الكبرى والحساسة. مضيفة: لاشك أن نمط العمل بمؤسسة كشبكة الجزيرة يتطلب وجود قدر عالٍ من الكفاءة للتعامل مع ضغوط بهذا الحجم خاصة أن إحدى أهم نقاط قوة الجزيرة التي تميزها تكمن في تغطياتها المفتوحة على مدار اليوم، وبقدر ما يتطلبه الأمر من مهارة إلا أن الأمور ترتبط بشكل كبير بالتحلي بالمسؤولية المهنية والوعي بأهمية كل ما يقدم للمشاهد وتبعاته في المقام الأول، ومن ثم يأتي دور المهارة والقدرة على التركيز والمتابعة وسرعة البديهة والاطلاع الدائم وغيره من الأدوات اللازمة لأداء المهام.
وأوضحت: لا هروب من الضغط، ولكن يمكن إدارته بحيث لا نقع في فوضى من التفاصيل مع كم المعلومات الهائل، ولا نهمل في ذات الوقت أدقها من حيث الأهمية، ولاشك أن فترات من الراحة الذهنية مهم لتجنب الإجهاد الذهني وترتيب الأفكار وغربلة المعلومات، ولكل منا طريقته في الحصول على قسط من الراحة الذهنية، ولا أخفيكم سراً أن الامر ليس سهلا.
إقرأ المزيد


