عربي ٢١ - 7/9/2026 10:53:29 PM - GMT (+3 )
وتكمن المشكلة في عدم وجود يقين تام بشأن أنواع السرطان التي تمتلك بالفعل هذا "الميكروبيوم" وتلك التي لا تمتلكه. فقد عانى هذا المجال البحثي من ادعاءات متضاربة، وطرق بحث متنافسة، وحالة - ضارة بشكل خاص- تم فيها سحب دراسة بارزة بعد تعذر تكرار نتائجها.
ومنذ ذلك الحين، ظل المجال يفتقر إلى مسار واضح للمضي قدما؛ إذ استخدمت كل مجموعة بحثية أساليبها الخاصة ومستويات متفاوتة من الدقة، ولم يكن هناك معيار متفق عليه للتحقق من النتائج الجديدة. وهذا أمر بالغ الأهمية نظرا لحجم الرهانات المتعلقة بهذا الموضوع.
فإذا كانت الميكروبات تساهم بالفعل في نمو بعض أنواع السرطان، أو تساعدها على مقاومة العلاج أو الانتشار، فقد تصبح أهدافا جديدة للفحص وتطوير الأدوية. لكن تتبع إشارات يتبين لاحقا أنها خاطئة يؤدي إلى إهدار الوقت والمال وعينات المرضى الثمينة.
لذا، شرع فريقنا في
حسم هذه المسألة بشكل سليم، مستخدما أكبر مجموعة من البيانات الجينية للسرطان في العالم:
وهي "مشروع المئة ألف جينوم" (100,000 Genomes Project) التابع لمؤسسة "جينوميكس إنجلترا" (Genomics England)، والذي يضم الحمض النووي لأكثر من 16,000 ورم.
وقد قمنا ببناء ما نعتقد أنه أكثر مسارات التحليل دقة وتطورا لهذا النوع من العمل،
حيث صُمم لاستبعاد كل مصدر محتمل للخطأ تمكنا من تحديده، ثم طبقناه على مجموعة البيانات
بأكملها.
اظهار أخبار متعلقة
وقد كشف بحثنا الأخير أن معظم أنواع السرطان -بما في ذلك سرطانات الدماغ والثدي والكلى- تفتقر إلى ميكروبيوم يمكن تمييزه عن "الخلفية" (أي التلوث المحيط). ويشير هذا إلى أن الدراسات السابقة التي رصدت إشارات ميكروبية في هذه الأورام ربما تأثرت بالتلوث؛ أي وجود حمض نووي دخيل مصدره معدات المختبر أو حتى العلماء الذين تعاملوا مع العينات.
لكن بعض أنواع السرطان كانت مختلفة. أظهرت أورام الفم والمريء والمعدة والأمعاء أدلة واضحة ومتسقة على وجود حياة ميكروبية. ولم يقتصر الأمر على البكتيريا فحسب؛ فقد وجدنا فيروسات وفطريات وكائنات دقيقة تُعرف بـ "العتائق" (وهي كائنات تشبه البكتيريا لكنها تختلف عنها جينيا) تعيش داخل هذه الأورام.
وفي بعض الحالات، رصدنا وجود "المشعرات" (Trichomonas)، وهي طفيلي أولي وحيد الخلية. وقد تباينت التشكيلة المحددة لهذه الكائنات باختلاف موقع السرطان في الجهاز الهضمي، كما ارتبطت بخصائص معينة، مثل النوع الفرعي للسرطان وعدد الطفرات الجينية التي يحملها.
التمييز بين الميكروبات الحقيقية والتلوثكان تحديد أي من هذه الإشارات الميكروبية حقيقي وأيها ناتج عن تلوث مخبري هو الجزء الأصعب في المشروع. فعملية تسلسل الورم تعني قراءة كل شريط من الحمض النووي (DNA) في العينة، سواء كان بشريا أو غير بشري.
عادة ما يتجاهل معظم باحثي السرطان الجزء غير البشري، لكننا فعلنا العكس؛ إذ استبعدنا الحمض النووي البشري وقارنا ما تبقى منه بجينومات ميكروبية معروفة للكشف عما قد يكون مختبئا هناك.
ومع ذلك، قد تواجه هذه المقاربة مشكلات بسرعة؛ فلا يوجد جينوم بشري واحد ونهائي يمكن استخدامه كمعيار للمقارنة، إذ يختلف الحمض النووي لكل شخص قليلا عن الآخر، كما أن أفضل الجينومات المرجعية تحتوي على فجوات. وبالتالي، فإن أي تسلسل بشري متبقٍ قد يشبه الحمض النووي الميكروبي يمكن تصنيفه خطأ على أنه نتيجة إيجابية (أي وجود ميكروب).
علاوة على ذلك، توجد
أخطاء في المكتبات المرجعية الميكروبية نفسها؛ فأحيانا يتم تصنيف نوع خاطئ، أو قد تختلط
عينة ما بحمض نووي من جلد فني المختبر. ومهما بلغت دقة العمل المخبري، فإن حدوث بعض
التلوث أثناء تحضير الورم أمر لا مفر منه تقريبا.
اظهار أخبار متعلقة
لقد عالجنا كل مشكلة من هذه المشكلات على حدة؛ حيث قمنا بعملية تصفية صارمة باستخدام إصدارات متعددة من الجينوم البشري، مستبعدين أي تسلسلات غامضة أو متكررة. كما استخدمنا أحدث البرمجيات لمطابقة الحمض النووي مع قواعد بيانات ميكروبية دقيقة وموثوقة.
ولرصد التلوث، قارنا بين الميكروبات التي ظهرت في أنواع مختلفة من السرطان؛ فالأنواع التي ظهرت في جميع العينات كانت على الأرجح ناتجة عن تلوث مخبري، بينما كانت الأنواع المحصورة في نوع واحد أو نوعين من السرطان أكثر احتمالا لأن تكون حقيقية.
وبالفعل، تبين أن العديد من الميكروبات التي استبعدناها كانت بكتيريا جلدية شائعة موجودة في جميع أنواع السرطان، ومن المرجح أنها انتقلت من الباحثين الذين تعاملوا مع العينات.
لقد أمكن إجراء هذه العملية الواسعة والدقيقة للتصفية بفضل الحجم الهائل والجودة العالية لمجموعة بيانات "جينوميكس إنجلترا"(Genomics England) فالدراسات الأصغر حجما تفتقر ببساطة إلى عدد كافٍ من العينات أو الدقة اللازمة للتمييز بين نمط بيولوجي حقيقي وحالة تلوث عارضة.
والآن، أتحنا بياناتنا مجانا للتنزيل، إلى جانب قائمة بالأنواع الميكروبية التي نثق بوجودها فعليا في هذه الأورام، وذلك ليتسنى للباحثين الآخرين تطبيق المنهجية الصارمة ذاتها على بياناتهم الخاصة.
ويحدونا الأمل في أن يضع هذا العمل حدا لسنوات من الادعاءات المتضاربة، مما يتيح للعلماء تركيز جهودهم في المجالات التي تتوفر فيها أقوى الأدلة. يعني ذلك تتبع كيفية تأثير هذه المجتمعات الميكروبية -في حالات سرطانات الفم والحلق والمعدة والأمعاء- على تطور الأورام ومدى استجابتها للعلاج. وفي نهاية المطاف، قد يساعد ذلك في تشخيص هذه السرطانات وعلاجها في مراحل مبكرة.
إقرأ المزيد


