خالد السالم مدير مركز شؤون الموسيقى لـ "الشرق": هدفنا بناء منظومة موسيقية قطرية قادرة على الاستمرار والمنافسة
الشرق -
[unable to retrieve full-text content]

- «مقام» أول تجربة «أكابيلا» من نوعها في قطر
- نطمح إلى تدريس الموسيقى وإنشاء معهد أو تخصص أكاديمي
- مشروع قانون المهن الفنية خطوة نحو تنظيم الممارسة وحفظ الحقوق
- «النهام الصغير» ينقل فنون البحر إلى الجيل الجديد
- الثيمة الموسيقية لـ «كهرماء» تفتح بابا جديدا لصناعة هوية المؤسسات
- نفتح أبوابنا لاختبارات الغناء والعزف للمواطنين والمقيمين
- ننتقل بالمواهب من الاكتشاف إلى التدريب ثم الوقوف أمام الجمهور



لا تبدو تجربة مركز شؤون الموسيقي، التابع لوزارة الثقافة، مجرد سلسلة من المبادرات المتفرقة، بقدر ما تتشكل بوصفها مشروعاً يسعى إلى بناء منظومة متكاملة للموسيقى، تجمع بين اكتشاف المواهب المحلية وتأهيلها، وصون الموروث وإعادة تقديمه، وفتح مساحات جديدة للإبداع.
وفي حواره لـ "الشرق"، يوضح السيد خالد السالم، مدير مركز شؤون الموسيقى، ملامح رؤية تتجاوز إقامة الحفلات إلى مشاريع لتأسيس بنية موسيقية أكثر رسوخاً، تجعل الموسيقى جزءاً فاعلاً من الحراك الثقافي القطري، وحاضرة في الداخل والخارج.

وخلال الحوار، يبرز سؤال الهوية، وكيف يمكن للموسيقى القطرية الحفاظ عليها، وتأكيد صلتها بالبحر وفنون الصوت والموروث الغنائي، دون إغفال الانفتاح على القوالب والتجارب المعاصرة.
ويتطرق الحوار إلى محاور أخرى تتصل بالتعليم والتشريع والشراكات ، ومدى الحاجة إلى الانتقال من اكتشاف الموهبة إلى بناء مسار مهني قادر على إنتاج أجيال جديدة، إلى غير ذلك من محاور، جاءت على النحو التالي:


◄ تتنوع مشروعات المركز بين الصالون الموسيقي و«ذاكرة اللحن» والفرق الموسيقية و«مقام»؛ ما الرؤية التي تجمع بينها؟
هناك رؤية تجمع هذه المشروعات، وهي أن يكون دور المركز أوسع من تنظيم الفعاليات والحفلات، وأن يعمل على أكثر من مسار، من اكتشاف المواهب وتأهيلها، ونشر الثقافة الموسيقية، والحفاظ على الموروث، وتقديم تجارب فنية جديدة.
لذلك قد تختلف طبيعة المشروعات، لكن كل مشروع يؤدي دوراً ضمن هذه الرؤية، للإسهام في بناء مشهد موسيقي متنوع ومستمر، لتصبح المواهب القطرية والمحلية مساحة حقيقية داخله.







   - اكتشاف المواهب 
◄ ما الذي يميز مشروع «مقام» عن بقية المبادرات الموسيقية في قطر، وما الإضافة التي يسعى المركز إلى تحقيقها من خلاله؟
توجد في قطر تجارب كورالية متعددة تتبع بعض الجهات الموسيقية والجاليات والمدارس وغيرها، لكن ما يميز «مقام» أنه يقدم تجربة مختلفة تعد الأولى من نوعها في الدولة، من حيث توجهها الفني، إذ تقوم فكرته على كورال «الأكابيلا» واستثمار إمكانات الصوت البشري وتعدد طبقاته وخطوطه، بحيث لا يكون الصوت وسيلة لأداء اللحن فقط، وإنما جزءاً من بنائه الموسيقي، عبر توزيع الأدوار بين الأصوات وتداخلها وتناغمها.
ويهدف المركز بذلك إلى اكتشاف المواهب المحلية من مواطنين ومقيمين وصقلها، لتأسيس تجربة موسيقية لها هويتها، قادرة على الاستمرار والحضور داخل قطر وخارجها.

◄ تمثل الفرقة الموسيقية أحد المكونات الأساسية في عمل المركز، كيف تنظرون إلى دورها، وما الذي يميز حضورها في المشهد المحلي؟
 الفرقة الموسيقية تمثل الذراع الفني للمركز، وحضورها لا يقتصر على مرافقة الحفلات والفعاليات، وإنما يمتد إلى تقديم برامج موسيقية مختلفة، والمشاركة في المناسبات الوطنية والثقافية، ونعمل على تطويرها لتكون منصة تجمع الموسيقيين وتتيح للمواهب فرص الأداء والاحتكاك، وتقديم أعمال تعكس تنوع الموسيقى القطرية والعربية.

◄ ما جهود المركز في اكتشاف المواهب القطرية الجديدة، وما الآليات التي يعتمدها للوصول إلى الأصوات الواعدة؟
 نعتمد أكثر من مسار لاكتشاف المواهب المحلية، من مواطنين ومقيمين، عبر المسابقات والورش والمشروعات الموسيقية، ومنها «أوتار» التي تمت بالتعاون مع جامعة قطر، و«نغم»، إلى جانب المسابقات المدرسية.
ويفتح المركز أبوابه شهرياً أمام الراغبين في خوض تجارب أداء في الغناء والعزف على مختلف الآلات الموسيقية، بما يتيح لنا التعرف إلى مواهب جديدة وتوجيهها إلى ما يناسب أعمارها وإمكاناتها.
وتسهم مواقع التواصل الاجتماعي وفعاليات وزارة الثقافة كذلك في الوصول إلى شريحة أوسع من المواهب، ويمتد دور المركز بعد اكتشافها إلى التدريب والتأهيل وإتاحة فرص المشاركة.



   - مشاركة فاعلة 
◄إلى أي مدى يُقبل الشباب القطري على فعاليات المركز وبرامجه الموسيقية؟ وهل تلمسون ارتفاعاً في هذا الإقبال؟ 
 لمسنا خلال السنوات الأخيرة إقبالاً متزايداً من المواهب على برامج المركز، وأصبح هذا الإقبال أكثر ارتباطا بالمشاركة الفعلية والرغبة في التعلم والتدريب، وليس بحضور الفعاليات فقط، كما اتسعت دائرة الاهتمام لتشمل مجالات موسيقية مختلفة.
ويظهر هذا التطور في استمرار المشاركين وانتقال بعضهم من تجربة إلى أخرى داخل برامج المركز، وهذا ما حدث من خلال مسابقة «نغم» التي خرج منها أصواتا تنطبق عليهم معايير كورال «مقام»، إلى جانب حضور فئات عمرية أصغر، ما يعكس تنامي الاهتمام بالموسيقى والرغبة في ممارستها، والمؤشر الحقيقي لدينا للإقبال ليس عدد المشاركين فقط، وإنما قدرتنا على استقطابهم والمحافظة على استمراريتهم وتطوير علاقتهم بالموسيقى.

◄ هل يقتصر دور المركز على اكتشاف المواهب وتأهيلها، أم يمتد إلى بناء مسارات مهنية حقيقية تتيح لها الاستمرار والاحتراف في المجال الموسيقي؟ 
 الاكتشاف هو بداية المسار وليس نهايته، لذلك نعمل على انتقال الموهبة من التدريب إلى التجربة أمام الجمهور، بما يراكم خبرتها ويطور حضورها.
ومسابقة «نغم» مثال على ذلك، إذ شارك عدد من الأصوات التي أفرزتها في حفلات «كلاسيكيات العصر الذهبي بالتعاون مع أوركسترا قطر الفلهارمونية، وندوات «الصالون الموسيقي»، وحفلات درب الساعي و«أنغام كروية»، وهناك من اجتازوا المعايير وانضم لكورال «مقام»، وكذلك كورال «السدرة» للأطفال، الذي بدأ مشاركاته في درب الساعي عام 2024، ثم شارك في «متحف الموسيقى»، ومعرض الدوحة للكتاب، وصولا إلى حفل «ذاكرة اللحن»، وكذلك فريق «النهام الصغير» وهو أحدث مشروعات المركز، والذي سينطلق خلال المرحلة المقبلة.
وعليه، لا تنتهي الموهبة بانتهاء المسابقة أو المشروع، وإنما تنتقل إلى فرص أخرى للتدريب والأداء والمشاركة، فالاحتراف تصنعه استمرارية التجربة وتراكمها.



  - شراكات موسيقية 
◄ ما أبرز الشراكات التي يعمل عليها المركز مع المؤسسات الموسيقية والثقافية خليجياً وعربياً، وما الذي تضيفه هذه الشراكات للمشهد الموسيقي القطري؟
 الشراكات أحد المسارات الأساسية لتطوير العمل، ولذلك يحرص المركز على تنويعها، فمحلياً، يأتي التعاون مع أوركسترا قطر الفلهارمونية وقدمنا معا «كلاسيكيات العصر الذهبي»، وكذلك التعاون مع جامعة قطر في مسابقة «أوتار» لاكتشاف مواهب العزف، كما امتدت الشراكات إلى مؤسسات أخرى، منها إعداد الثيمة الموسيقية لـ «كهرماء»، وكذلك تعاوننا مع كل من «قافكو» و«مشيرب».

ودولياً، يتمتع المركز بعضوية المجلس الدولي للموسيقى، وسبق أن قدم حفل «بيتهوفن» لفرقة «ثلاثية العود» تحت مظلة «اليونسكو» بمناسبة مرور 200 عام على ميلاد بيتهوفن.
ولا نقيس هذه الشراكات بعددها، وإنما بما تحققه من تبادل للخبرات وإتاحة الفرص للموسيقيين وتوسيع حضور المشهد الموسيقي القطري.

◄ قدم المركز الثيمة الموسيقية لـ «كهرماء»، هل يفتح ذلك مجالاً جديداً أمام المركز لصياغة الهوية الموسيقية للمؤسسات؟ 
 تجربة «كهرماء» قدمت نموذجاً مختلفاً لدور المركز، بتوظيف الموسيقى في بناء هوية خاصة بـ «كهرماء»، وأصبحت الثيمة الموسيقية جزءاً من حضورها وارتباطها بالجمهور.
وتفتح هذه التجربة مجالاً للتعاون مع مؤسسات أخرى، وتمنح الموسيقيين والملحنين مساحة مختلفة للإبداع خارج الأطر المعتادة.



   - مشاريع فنية 
◄ كيف يسهم المركز في نقل الموسيقى القطرية إلى الخارج، وهل هناك مشاريع محددة لتقديمها في المحافل العربية والدولية؟
 نعمل على ذلك عبر المشاركات الخارجية لوزارة الثقافة، إلى جانب حضور المركز في المحافل الموسيقية الدولية، ومنها «جلوموس» في نيبال، والمشاركة في روسيا ضمن لجنة تحكيم إحدى المسابقات.
كما تتطور هذه المشاركات إلى حضور أكثر استمرارية، لتقديم الموسيقى القطرية وموروثها، بما يفتح أمام الموسيقيين والمواهب فرصاً أوسع للمشاركات الخارجية، والتواصل مع تجارب موسيقية متنوعة.

◄ وهل تمتلك الموسيقى القطرية شخصية وهوية موسيقية واضحة يمكن تمييزها عربياً، وما أبرز سماتها؟
 الموسيقى القطرية تمتلك ملامحها الخاصة، ويمكن تمييزها عبر علاقتها الوثيقة بالبيئة القطرية، وفي مقدمتها البحر الذي ترك بصمته على الإيقاع والغناء والأداء الجماعي، إلى جانب فن الصوت والفنون البرية، وصولاً إلى الأغنية القطرية الحديثة وما صنعه روادها من رصيد لحني وغنائي.
والهوية لا تقاس فقط بما ورثناه، وإنما بما نستطيع البناء عليه، والتحدي اليوم هو أن تتحول هذه الخصوصية إلى إنتاج موسيقي جديد، يستلهم عناصر الموسيقى القطرية ويطورها، بما يجعل حضورها عربياً أكثر تميزاً.



  - الاهتمام بالأجيال 
◄ كيف يوازن المركز بين الحفاظ على الموروث الموسيقي القطري وتطويره بما يتناسب مع الأجيال الجديدة والاتجاهات المعاصرة؟
 نتعامل مع الموروث باعتباره مادة حية، وليس مجرد ذاكرة تُحفظ، ولذلك نعمل على نقله للأجيال الجديدة من خلال مشروعات عملية، ومن أبرزها «النهام الصغير»، الذي يعد الأول من نوعه على مستوى الدولة لتدريب الأطفال على فنون البحر ونقلها إلى جيل جديد.
كما نعيد تقديم الموروث الغنائي في قوالب موسيقية معاصرة، كما حدث في «ذاكرة اللحن»، والحفاظ على خصائصه وهويته، ونعتمد على صون الأصل، وإتاحة مساحة للتطوير في أسلوب تقديمه، ليبقيه حاضراً وقادراً على التواصل مع الأجيال الجديدة.

◄ ما الذي ينقص المواهب الموسيقية القطرية للوصول إلى مستويات المنافسة العربية والدولية؟
 الموهبة موجودة، وقادرة على المنافسة، فحصول دانا المير على المركز الثالث في مسابقة «إنترفيجن2025» الغنائية العالمية في روسيا يعكس أن المواهب المحلية قادرة على تحقيق نتائج متقدمة.
لكن الوصول إلى حضور أوسع وأكثر استمرارية يحتاج إلى منظومة تجمع بين التدريب ، والإنتاج، والفرص، والحضور الإعلامي، إلى جانب الاحتكاك بالتجارب المختلفة، والأهم أن يتحول هذا الحضور من مشاركات فردية إلى مسار مستمر.



   - مزاولة المهن الفنية
◄ أحال مجلس الوزراء إلى مجلس الشورى مؤخراً مشروع قانون تنظيم مزاولة المهن الفنية، الذي أعدته وزارة الثقافة؛ فكيف ترون أثره في تنظيم المشهد الموسيقي المحلي؟
هذا المشروع تكمن أهميته في أنه ينقل الممارسة الفنية إلى إطار أكثر تنظيماً ووضوحاً، فالمشهد الفني لا يحتاج إلى المواهب والفرص وحدها، وإنما يحتاج إلى تشريع ينظم المهنة ويحفظ حقوق العاملين فيها.وفي المجال الموسيقي، من شأن ذلك أن يدعم الانتقال من الهواية إلى الممارسة المهنية، ويهيئ بيئة أكثر استقراراً للموسيقيين، وهو ما نحتاج إليه بالتوازي مع اكتشاف المواهب وتأهيلها.



   - مسار تعليمي 
◄ ما طموح المركز لصناعة جيل قطري جديد، قادر على تمثيل الموسيقى القطرية داخل وخارج الدولة؟ 
 بناء مسار متكامل للتعليم الموسيقي في قطر، يبدأ بإدراج الموسيقى ضمن التعليم المدرسي، ويمتد إلى تأسيس معهد متخصص، أو استحداث تخصص أكاديمي، أسوة بتخصصات فنية قائمة، فالموسيقى لا تقل أهمية عن بقية الفنون، ووجود مسار تعليمي متخصص لها ضرورة لصناعة جيل موسيقي مؤهل. وهذا المسار سيمنح المواهب أساسا علميا ومهنيا، وينقلها من الهواية والتدريب إلى التخصص والاحتراف، بما يؤهلها لتمثيل الموسيقى القطرية خارجياً.



إقرأ المزيد