هل يمكن لقراءة كتاب أن تحسّن أداء الدماغ حقا؟ دراسة تجيبك
عربي ٢١ -
نشر موقع "كونفرزيشن" مقالاً لأستاذة علم النفس في جامعة أكسفورد بروكس، فاليري فان مولوكوم، قالت فيه إن قراءة كتاب لمدة نصف ساعة قد تبدو مجرد وسيلة بسيطة لتمضية وقت الفراغ، إلا أن القراءة من أجل المتعة يبدو أنها تقدم ما هو أكثر من مجرد التسلية؛ إذ تشير الأبحاث إلى أنها قد تدعم جوانب الإدراك والرفاهية، فضلاً عن مساعدتنا في فهم الآخرين والتواصل معهم.

تُعرف القراءة من أجل المتعة -أو ما يسمى "قراءة الترفيه" أو "القراءة الترويحية"- بأنها القراءة لمجرد الاستمتاع بها، وليس لتحقيق هدف عملي محدد.

اظهار أخبار متعلقة


وتشير بيانات الاستطلاعات إلى احتمال وجود فوائد حتى لدى الأشخاص الذين يقضون وقتاً قليلاً نسبياً في القراءة. ففي استطلاع شمل أكثر من 4000 شخص بالغ، أفاد 64 بالمئة من القراء المنتظمين بتمتعهم بمستوى عالٍ من التعاطف، مقارنة بـ 61 بالمئة ممن يقرؤون نادراً، و48 بالمئة ممن لا يقرؤون على الإطلاق.

كما وجد التقرير ذاته أن الأشخاص الذين يقرؤون لمدة 30 دقيقة فقط أسبوعياً كانوا أكثر ميلاً للإشارة إلى قدرتهم على فهم مشاعر الآخرين، وفي استطلاع آخر أُجري في المملكة المتحدة، ذكر 41 بالمئة من المشاركين أن القراءة جعلتهم يشعرون بارتباط أكبر بالآخرين.

تتضمن القراءة مجموعة من العمليات المعرفية. وقد كشف تحليل شمولي (ميتا-تحليل) -جمع نتائج 40 دراسة لتصوير الدماغ- عن نمط مشترك لنشاط الدماغ أثناء القراءة لدى كل من الأطفال والبالغين؛ حيث يشمل هذا النشاط مناطق دماغية مهمة للانتباه، والتعرف على الكلمات المكتوبة، ومعالجة اللغة. كما رصد التحليل اختلافات بين الأطفال والبالغين، مما يعكس التغيرات التي تطرأ على أنظمة الدماغ المرتبطة بالقراءة مع تقدمنا في العمر ونمونا.

لكن القراءة تتجاوز مجرد التعرف على الكلمات المطبوعة على الصفحة، فهي تحفز خيالنا أيضاً. فقد أظهرت الأبحاث التي تستخدم تقنيات تصوير الدماغ أن قراءة الأعمال الأدبية الخيالية (القصص والروايات) تنشط أجزاءً من "شبكة الوضع الافتراضي"؛ وهي مجموعة من مناطق الدماغ المترابطة التي تشارك في عمليات تشمل تخيل المشاهد والتفكير في الحالات الذهنية للآخرين.

ويبدو هذا التأثير مثيراً للاهتمام بشكل خاص عندما تكون الأعمال الخيالية غنية بالمحتوى الاجتماعي، مما يتطلب منا التفكير فيما قد تفكر فيه الشخصيات أو تشعر به أو تفعله.

وفي هذا السياق، أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين يقرؤون الأدب الخيالي بشكل متكرر حققوا نتائج أفضل في اختبارات "الإدراك الاجتماعي"، وهي قدرتنا على فهم أفكار الآخرين وسلوكياتهم. علاوة على ذلك، أدت قراءة النصوص ذات المحتوى الاجتماعي الغني إلى زيادة النشاط في أجزاء من الشبكة الدماغية المسؤولة عن التفكير في الآخرين.

لكن الدور الاجتماعي للقصص لم يبدأ بظهور الروايات؛ فالكتابة تُعد ظاهرة حديثة نسبياً في التاريخ البشري، إذ تعود أصول أنظمة الكتابة المتكاملة إلى ما بين 5000 و5500 عام، ولم تنتشر معرفة القراءة والكتابة على نطاق واسع إلا بعد اختراع آلات الطباعة في خمسينيات القرن الخامس عشر. ومع ذلك، فإن فن سرد القصص يسبق هذه الاختراعات بمدى زمني طويل.

وقد كشفت دراسة أُجريت على شعب "أيتا" -الذي يعتمد على الصيد وجمع الثمار- في الفلبين، أن القصص كانت غالباً ما تنقل أفكاراً حول التعاون والسلوك الاجتماعي، وأن المجتمعات التي تضم رواة قصص مهرة أظهرت مستويات أعلى من التعاون. 

ومن ثم، قد يكون سرد القصص عنصراً جوهرياً يتيح للبشر استكشاف كيفية تفكير الآخرين وآليات عمل المجموعات الاجتماعية، وهو ما يُرجح أنه كان كذلك طوال مسيرة التطور البشري.

ولا تزال هذه القدرات ذات أهمية بالغة؛ ففهم وجهات نظر الآخرين يساعدنا على إدارة علاقاتنا والتعاون مع أشخاص قد تختلف تجاربهم ومعتقداتهم عن تجاربنا ومعتقداتنا. إذن، كيف يمكننا تشجيع القراءة من أجل المتعة؟ بالنسبة للأطفال، قد تكون البداية المبكرة عاملاً مساعداً.

تُعد دراسة "التطور المعرفي لدماغ المراهقين" (ABCD) واحدة من أكبر الدراسات طويلة الأمد التي تتناول تطور الدماغ وصحة الطفل في الولايات المتحدة. وقد أظهرت الأبحاث التي شملت أكثر من 10,000 مشارك في هذه الدراسة أن القراءة المبكرة بهدف المتعة ترتبط بأداء معرفي أفضل، وانخفاض في المشكلات السلوكية وتلك المتعلقة بالصحة النفسية، فضلاً عن اختلافات في مناطق الدماغ المرتبطة باللغة والإدراك.

اظهار أخبار متعلقة


ولكن حتى لو مرت سنوات عديدة منذ أن أمسكتَ بكتابٍ للمتعة، فلا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن القراءة مفيدة فقط إذا بدأت في مرحلة الطفولة؛ إذ تشير الأبحاث التي تغطي مراحل عمرية مختلفة إلى أن القراءة المنتظمة تقترن بفوائد معرفية وعاطفية واجتماعية.

لذا، اختر كتاباً ترغب حقاً في قراءته؛ فالحجم والموضوع والنوع الأدبي أمور أقل أهمية من العثور على عمل يشد انتباهك ويجذبك إليه. وقد تجد نفسك منغمساً في عالم آخر، تستكشف عقول الآخرين بينما تمنح دماغك نشاطاً غنياً ومفيداً.



إقرأ المزيد