الفنانة والناقدة د. جميلة الشريم لـ "الشرق": توثيق تاريخ المهن الإنسانية يحفظ ذاكرة الوطن
الشرق -
[unable to retrieve full-text content]

- الإصـدار يستحضر مرحلة تأسيسية من تاريخ القطاع الصحي
- المرأة القطرية أسهمت في بناء القطاع الصحي منذ مراحل مبكرة
- العاطفة قادتني للكتابة عن أمي وفق منهج بحثي للتوثيق
- الكتاب يرصد قصة تحولات شهدها المجتمع القطري
- والدتي مصدر إلهام لأعمالي وأبرزها «أمومة» و«أصالة»



يوثق كتاب «رائدة تعليم التمريض في قطر: حصة بنت عبدالله الشريم (1969–2008)»، لمؤلفته الفنانة التشكيلية والناقدة د. جميلة بنت إبراهيم الشريم، مسيرة إحدى الرائدات في تعليم التمريض في قطر، مستحضراً جانباً من تاريخ المرأة القطرية وتحولات مشاركتها في القطاع الصحي.







وفي حوارها لـ "الشرق"، تؤكد مؤلفة الكتاب، الصادر عن دار كتارا للنشر، أن العمل يتجاوز توثيق السيرة الشخصية إلى حفظ ذاكرة المهنة وإسهامات جيل من النساء القطريات في بناء القطاع الصحي، مستندة إلى مخطوطة والدتها السيدة حصة الشريم، رحمها الله، الأصلية ووثائقها وشهادات من عاصروها. كما تتناول أثر تجربتها الفنية والنقدية في قراءة العلاقة بين الذاكرة والهوية والتوثيق، بالإضافة إلى محاور أخرى، جاءت على النحو التالي:






◄ ما الذي دفعكِ إلى تأليف كتاب «رائدة تعليم التمريض في قطر: حصة بنت عبدالله الشريم (1969–2008)»، عن والدتكِ السيدة حصة الشريم، رحمها الله؟
الدافع الأساسي لكتابي الصادر عن دار كتارا للنشر، هو شعوري بأن مسيرة والدتي لا تمثل سيرة شخصية فقط، بل هي جزء من تاريخ المرأة القطرية وتعليم التمريض في قطر، لذلك كان من المهم توثيق هذه الذاكرة وحفظها للأجيال القادمة.


   - توثيق الذاكرة 
◄ وهل يعد هذا العمل، محاولة لكتابة سيرة أم تجربة لحفظ جزء من الذاكرة الوطنية؟
 الكتاب لا يوثق سيرة شخصية فقط، بل مرحلة تأسيسية من تاريخ تعليم التمريض ودور المرأة القطرية في القطاع الصحي، من خلال سيرة الرائدة حصة بنت عبدالله الشريم، التي تركت أثراً إنسانياً ومهنياً في ذاكرة الوطن، واخترت والدتي لأنها لم تكن تمثل تجربتها وحدها، بل جيلًا من النساء القطريات اللواتي أسهمن بصمت وإنسانية في بناء القطاع الصحي، وكنّ جزءاً من مسيرة مبكرة في تأسيس التمريض الوطني، لذلك أراه مرجعاً توثيقياً وإنسانياً وتاريخياً، يحفظ ذاكرة المهنة ويحتفي بإرث روادها.

◄  هل كنتِ تنظرين إلى هذا العمل، إذا كان وفاءً شخصياً للأم، أم محاولة لإنصاف شخصية نسائية رائدة؟
 الاثنان معا، وفاءً شخصياً للأم، وإنصافاً لمسيرة امرأة قطرية رائدة أسهمت في تعليم التمريض، فوالدتي منحتنا حياتها ووقتها وجهدها، وكانت صاحبة تجربة مهنية وإنسانية عُرفت فيها بالإخلاص والعطاء والانتماء للوطن. وأنا ممتنة لما تركته من أمانة بين أيدينا، وفي مقدمتها مشروع كتاب خطّته بيدها عن تاريخ تعليم التمريض في قطر، ولم يُتح لها نشره في حياتها، ولذلك شعرت بمسؤوليتي في استكمال هذا الإرث، ومنح تجربتها المكان الذي تستحقه في الذاكرة الوطنية.





  - منهج بحثي
◄ من خلال الكتاب، هل كنتِ ابنة تستعيد أمها، أم باحثة توثق سيرة شخصية عامة؟ 
 كنت الابنة والباحثة معاً، كابنة، كانت هناك مشاعر وذكريات يصعب فصلها عن والدتي، لكنني كنتُ واعية بأنني أكتب سيرة تتجاوز علاقتي الشخصية بها، لتوثق مرحلة من تاريخ تعليم التمريض ودور المرأة القطرية في القطاع الصحي.
لذا حرصت على ألا تكون العاطفة المصدر الوحيد للرواية، فاعتمدت على أرشيف والدتي، والصور والوثائق والصحف، إلى جانب الشهادات والمقابلات مع من عاصروها وعملوا معها. ويمكن القول إن العاطفة كانت دافعاً للكتابة، أما الوثيقة والشهادة والمنهج البحثي فكانت أساس التوثيق.

◄  يكشف الكتاب أن المجتمع القطري لم يكن يتقبل بسهولة عمل المرأة في التمريض في مراحل سابقة؛ فكيف استطاعت والدتكِ تجاوز هذه النظرة؟
 والدتي تجاوزت هذه النظرة بالإرادة، ثم بدعم والدها، فقد شكّلت وفاة زوجها في حادث أليم عام 1968، وعدم التمكن من إسعافه بسبب شدة النزيف، دافعًا إنسانياً لديها لمساعدة المرضى والمصابين وتخفيف آلامهم، وفي عام 1969، أتيحت لها فرصة الالتحاق بمجال التمريض، ورغم تحفظ بعض أفراد العائلة، بحكم العادات والتقاليد السائدة آنذاك، فإن والدها شجعها وساندها في اختيارها، وكان التحدي أكبر؛ لأنها كانت أرملة وأمًا لخمسة أطفال، ومع ذلك عادت إلى مقاعد الدراسة، وواصلت طريقها حتى حصلت على شهادة التمريض عام 1972.


  - تحولات المجتمع 
◄ هل ترين أن قصة والدتكِ تمثل قصة امرأة واحدة، أم أنها تعكس تحولات المجتمع القطري تجاه تعليم المرأة وعملها؟
 لا أرى أن قصة والدتي شخصية، بل إن قصتها تعكس مرحلة من التحولات التي شهدها المجتمع القطري، فسيرتها نموذج مبكر للمرأة القطرية التي دخلت مجالاً مهنياً وإنسانياً مهماً، وأسهمت، من خلال تعليم التمريض، في إعداد كوادر وطنية من الممرضات المؤهلات، ومن خلال سيرتها، يوثق الكتاب جانبًا من التحولات الاجتماعية والتعليمية التي شهدتها قطر، خاصة في السبعينيات، وانتقال المرأة إلى المشاركة الفاعلة في بناء القطاع الصحي وخدمة المجتمع.


  - مخطوطة أصلية 
◄ ما الذي أضافته المخطوطة الأصلية التي كتبتها السيدة حصة الشريم، رحمها الله، إلى الكتاب؟ وهل غيّرت بعض تصوراتكِ السابقة عنها؟
 المخطوطة أضافت بُعداً للكتاب؛ لأنها لم تكن مجرد وثيقة أستند إليها، بل شهادة كتبتها والدتي بنفسها عن تاريخ تعليم وممارسة التمريض في قطر، استنادًا إلى ما عاصرته وشهدته من بدايات المهنة وتطور مؤسساتها ومناهجها، وكشفت لي المخطوطة جانبًا لم أكن أعرفه عنها؛ فقد عرفتها أمًا ومربية ومعلمة تمريض، لكنني اكتشفت من خلال ما كتبته وعيها بأهمية توثيق تاريخ المهنة وحفظه للأجيال.







   - رؤية فنية 
◄ أنتِ فنانة تشكيلية قبل أن تكوني مؤلفة لهذا الكتاب؛ هل أثرت رؤيتكِ البصرية في طريقة بناء السرد واختيار الصور والوثائق؟
 بصفتي فنانة وناقدة بصرية، أثرت حساسيتي البصرية في طريقة بناء الكتاب واختيار الصور والوثائق، فلم أتعامل مع الصورة بوصفها عنصراً توضيحيًا فقط، بل باعتبارها وثيقة بصرية تحمل ذاكرة المكان والإنسان، وحرصت على ألا يكون الكتاب مجرد سرد تاريخي وتوثيقي، بل أن يصبح أكثر قربًا وحيوية، وأشعر بالفخر عند الحديث عن اهتمام والدتي بالمواهب الإبداعية، ودعمها لي ولأختي في دراسة الفن والالتحاق بالمرسم الحر منذ عام 1983.

◄ في فصل «التربية بالنظرة العلمية والفنية» يظهر أثر الأم في تكوين فنانتين تشكيليتين؛ فكيف انعكس حضور والدتكِ على تجربتكِ الفنية ؟
 كان حضور والدتي في تجربتي الفنية مؤسسًا منذ الطفولة؛ فقد آمنت بموهبتي وموهبة أختي سلوى، وشجعتنا على المشاركة في مسابقات الرسم والالتحاق بالمرسم الحر، حيث أتيحت لي فرصة التعلم على أيدي فنانين كبار، كما دعمت دراستي للتربية الفنية في جامعة قطر، وظلت تتابع معارضي وأعمالي، ولم تكن والدتي داعمة لموهبتي فحسب، بل أسهمت في تشكيل شخصيتي الفنية وتحديد مساري، وبقيت مصدراً لإلهامي في أعمال مثل «أمومة» و«أصالة».


   - كتابات نقدية 
◄ في كتاباتكِ النقدية كثيرًا ما تطرحين سؤال الهوية والذاكرة؛ هل ترين أن هذا الكتاب امتداد لهذا المشروع الفكري؟
 أعتبر الكتاب امتدادًا لمشروعي الفكري؛ لإيماني بأنه لا هوية بلا تاريخ، ولا ذاكرة بلا توثيق، فاهتمامي بالهوية والذاكرة في كتاباتي النقدية والفنية انتقل من قراءة العمل الفني إلى قراءة تاريخ مهنة ومرحلة من تاريخ المجتمع القطري. ومن إيماني بأهمية توثيق الذاكرة الوطنية للمهن الإنسانية، جاء هذا الكتاب ليستعيد سيرة رائدة في تعليم التمريض في قطر خلال الفترة من 1969 إلى 2008، ويوثق حضور المرأة القطرية في مسيرة التنمية، فهو ليس مجرد سيرة أو كتاب توثيقي، بل سردية للذاكرة والانتماء والهوية، وحفظ لجزء من ذاكرة الوطن.

◄ إلى أي مدى يمكن للفن أن يكون وسيلة لحفظ الذاكرة، كما ذهب الكتاب؟
 أؤمن بأن للفن قدرة كبيرة على حفظ الذاكرة؛ فهي لا تُحفظ بالكلمة والوثيقة فقط، بل تحفظها أيضاً الصورة واللون والعمل الفني، وتوثيق الذاكرة حاضر دائماً في تجربتي، سواء من خلال أعمالي الفنية أو كتاباتي النقدية، ومنها مقالاتي في جريدة ، وقد حباني الله بالقدرة على التعبير بالصورة والكلمة، وأرى في ذلك مسؤولية تجاه مجتمعي ووطني، وكما تحفظ اللوحة لحظة أو مكانًا أو إحساساً من النسيان، حاول هذا الكتاب أن يحفظ ذاكرة مهنة ومرحلة وشخصيات أسهمت في تاريخ الوطن، فالفن والكتابة يلتقيان في غاية واحدة: حفظ الذاكرة ومنح الأثر حياة تتجاوز زمنه.



إقرأ المزيد