جريمة توثيق الحقائق.. إسرائيل تحارب مخرج فيلم "جنين جنين"
الجزيرة -

يعتزم الفنان الفلسطيني محمد بكري، ابن قرية البعنة في الجليل، الاستئناف للمحكمة العليا الإسرائيلية ضد قرار المحكمة المركزية في اللد بحظر عرض الفيلم "جنين جنين" بإسرائيل وحذف روابطه في شبكات وقنوات التواصل و"يوتيوب" ومصادرة جميع نسخه الذي يوثق أحداث مجزرة مخيم جنين الذي نفذها جيش الاحتلال خلال العملية العسكرية "الجدار الواقي" في نيسان/أبريل 2002.

وقضت محكمة اللد بتغريم بكري -الذي أخرج الفيلم- 70 ألف دولار لمقدمي الدعوى، وتشمل الغرامة المالية ومصاريف المحكمة وأتعاب محاماة. وعليه، فقد دعت الفعاليات الثقافية والسياسية والحزبية والاجتماعية بالداخل الفلسطيني إلى إطلاق حملة دعم معنوية ومادية لبكري، مؤكدة أن الحكم عليه "هو حكم على الشعب الفلسطيني بكل أماكن وجوده".

تحول "جنين جنين" إلى قضية رأي عام في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة عام1967، وتعرض بكري والفيلم لملاحقة قضائية ومنع من العرض على مدار 19 عاما، مما كرس حالة تكتيم للأفواه والحريات ومحاربة الفن والثقافة والإبداع الفلسطيني بعد العرض الأول بدور السينما "سينماتيك" بالقدس وتل أبيب، وذلك بعد أشهر من خروجه للنور عام 2003.

رائحة الموت

في سباق مع الزمن، سارع بكري وطاقم التصوير إلى تخطي عملية "الجدار الواقي" ودخلوا مخيم جنين بعد 3 أسابيع من وقوع المجزرة، حيث ما زالت رائحة الموت تفوح بالمكان، وأطلال وركام عشرات المنازل يسردها مسلسل تشريد وتهجير عشرات العائلات التي ما كان لها أن تغادر المكان.

التقطت كاميرات المخرج وطاقمه حقيقة ما مر على المخيم وفصول ما عاشه سكانه، في حالة أطرت الروايات والإفادات مع غول الهدم والدمار، لتوثيق حقيقة ما حصل بالمخيم من أفواه الناجين وعائلات الضحايا.

ويوثق "جنين جنين" نضال الشعب للحرية والاستقلال، ويجسد دور الفن والثقافة في الصمود ومقاومة المحتل، وسط مشاهد من الجرائم والانتهاكات للاحتلال الذي سعى لإخماد الانتفاضة الثانية، في أحداث جمعت مشاهد الدماء وركام الهدم لمجزرة مخيم جنين التي استشهد خلالها 50 مواطنا، والاشتباكات التي قتل خلالها 23 جنديا من جيش الاحتلال برصاص الفصائل المسلحة التي تنادت لخوض ملحمة وجودية في جنين.

الملاحقة القضائية

وفي معركة الوجود الفني والثقافي والحضاري للشعب، سرد بكري للجزيرة نت الملاحقة القضائية التي يتعرض لها ومسلسل الدعاوى القضائية لضباط وجنود من جيش الاحتلال لمنع عرض "جنين جنين" والتي بدأت بعد أيام من عرضه الأول، وما زالت تتواصل حتى الآن في معركة على الحقيقة والرواية الفلسطينية، واصفا قرار المحكمة الأخير بالمجحف بحقه وحق الفن والثقافة والشعب الفلسطيني، مؤكدا أن "الحكم القضائي اتخذ لدوافع سياسية بحتة".

وأكد المخرج أنه يدرس -بالتنسيق مع المحامي حسين أبو حسين- الخطوات المستقبلية بتقديم استئناف للمحكمة العليا الإسرائيلية ضد قرار حظر عرض الفيلم ومنع تداوله وحذفه عن قنوات التلفزة عبر الإنترنت، مشيرا إلى أنه يخوض منذ 19 عاما النضال للإبقاء على "جنين جنين" بالأضواء، في ظل تكرار الشكاوى والدعاوى القضائية من قبل عناصر اليمين الإسرائيلي.

واستذكر الفنان الفلسطيني المحطة الأولى بالدفاع عن فيلمه بعد أشهر من عرضه ورؤيته الضوء، حيث قبلت هيئة المحكمة المركزية الإسرائيلية دعوى العديد من ضباط احتياط وجنود بجيش الاحتلال، واستجابت لطلب الرقابة العسكرية بمنع عرض "جنين جنين" في صالات العرض ودور السينما بالبلاد، وهو القرار الذي أبطلته المحكمة العليا الإسرائيلية في نوفمبر/تشرين الثاني 2003.

المخرج بكري وثق انتهاكات جيش الاحتلال بمخيم جنين بعد 3 أسابيع من وقوع مجزرة "الجدار الواقي" (الجزيرة)
منع العرض

لكن، يقول المخرج "تكررت الدعاوى وتجددت الطعون الإسرائيلية منذ ذلك الحين من قبل بعض الضباط والجنود، في تقاسم للأدوار لمنع عرض الفيلم وملاحقتي بإلزامي بدفع الغرامات المالية، وآخر دعوى قدمت عام 2017، وبعد سلسلة مداولات يتكرر ذات الحكم القضائي بحظر العرض وفرض غرامات، ولكن الأخطر هو حذف الفيلم من القنوات ومصادر نسخه المتداولة، وهو الحكم الذي نرفضه وسنواصل النضال حتى إبطاله".

وشدد على أنه سيواصل النضال حتى ينتصر للحقيقة والرواية الفلسطينية وفيلم "جنين جنين" الذي يلخص معركة وصمود الشعب، ويسلط الضوء على ممارسات وانتهاكات الاحتلال والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تخشى الحقيقة، وفضح نهجها العنصري والتمييزي ضد الشعب الفلسطيني، إضافة إلى تكميم الأفواه وكتم حرية التعبير.

وأكد أنه لا يوجد أي جوهر ومعنى للفن والثقافة والإبداع في حال تم رفع الراية البيضاء التي تعكس الضعف والخسارة، مبينا بأنه سيبقى يشهر الراية الحمراء التي تعبر عن حق كل فنان وكل فلسطيني برفع صوته عاليا ضد الاحتلال والاضطهاد والظلم، مؤكدا أنه سيواصل مسيرة النضال حتى ينال شعبه حقوقه كاملة وينعم بالحرية والاستقلال.

الكينونة الثقافية

وصف الاتحاد العام للأدباء الفلسطينيّين-الكرمل 48 قرار المحكمة الصادر ضد بكري بحكم "قراقوشي" على الكينونة الحياتية للشعب الفلسطيني وإبداعه الفني والثقافي، مؤكدا أنه بمثابة إثبات أن المؤسسة الإسرائيلية بكل أذرعها عدوة لكل عربي بكينونته الحياتية وإبداعه الثقافي.

وأوضح في بيان -تلقت الجزيرة نت نسخة عنه- أن هذا الحكم الذي يأتي على خلفية دعوى أقامها ضابط احتياط بجيش الاحتلال ضد بكري و"جنين جنين" بزعم أنه يظهر في الفيلم بشكل مسيء له، بحيث يصير من وجهة نظر القضاء الإسرائيلي إساءة وجريمة، وليس أساس وجوده هنالك هو الجريمة.

وشدد الاتحاد العام في البيان على أن "الجريمة هي في الاحتلال وجيشه وتصرف هذا الجيش، في كل ما يمارس بشكل عام وما مورس بالانتفاضة الثانية في جنين ومخيمها وغيرهما من المناطق الفلسطينيّة، وليست الجريمة في توثيق هذا التصرف الهمجي".

يوثق "جنين جنين" نضال الشعب الفلسطيني ومشاهد انتهاكات قوات الاحتلال (مواقع التواصل)
تكميم الأفواه

بدوره، أصدر التجمع الوطني الديمقراطي بيانا أدان فيه قرار المحكمة الإسرائيلية واعتبره سياسيا انتقاميا يندرج تحت ملاحقة كل منتج فني أو ثقافي فلسطيني يقوم بفضح جرائم الاحتلال، ويساهم في رفع الوعي الجمعي والحس الوطني خاصة محطات نضال الشعب الفلسطيني.

وأكد النائب عن التجمع إمطانس شحادة هشاشة وضعف "هذا النظام الإسرائيلي الاستعماري، الذي يلاحق النشاط السياسي الوطني ويستهدف الأقلام والأفواه المنحازة لقضية شعبها في كل الأوساط سواء الحزبية أو البرلمانية أو الفنية والثقافية" ووصفه بأنه "فاقد للمصداقية أمام الرواية الفلسطينية التي تظهر معاناة الشعب الفلسطيني وألمه على مدار سنوات الاحتلال".

واعتبر أن منع المحكمة الإسرائيلية من عرض الفيلم وتغريم المخرج شهادة له بأنه عمل فني مهم ومقدر، وأن على أبناء الشعب الفلسطيني التمسك به ليبقى في وعي الشعب وذاكرته التاريخية، داعيا إلى مساندة الفنان الفلسطيني والوقوف إلى جانبه في قضيته العادلة أمام المؤسسة الإسرائيلية وجهازها القضائي.

ذات الموقف عبرت عنه النائب عن الجبهة الديمقراطية عايدة توما سليمان، مؤكدة أن قرار المحكمة بمنع فيلم "جنين جنين" ليس إلا حلقة إضافية في سلسلة سياسة تكميم الأفواه.

وأوضحت أن الاحتلال يرتعب من كشف وجهه الحقيقي، وهذه المرة يحارب حقيقته البشعة برعاية المحاكم والقضاة، مشيرة إلى أن المخرج عانى كثيرا من الهجوم الذي شن عليه من قبل جنود الاحتلال ولمدة سنوات طويلة، وقالت "سنبقى بجانب بكري وبجانب أبناء شعبنا القابعين تحت قمع الاحتلال".



إقرأ المزيد