من أين تأتي الحكايات؟
الجزيرة -
حين سئل المخرج وكاتب السيناريو الأميركي ديفيد لينش عن مصدر أفكاره الإبداعية، أجاب إن الأمر يُشبه وجود فكرة مكتملة؛ لكن في غرفة مجاورة، وهي تقوم بالتدحرج إلى العقل قطعة تلو أخرى، وإن الرغبة الملحة في جلب تلك الأفكار بمثابة صنارة لا تكف تستدعي تلك القطع الصغيرة حتى يكتمل مشهد الفكرة في الرأس. هذا التصوير البديع يختصر الفكرة الروائية التي يرجوها الكاتب، وينتظرها بدأب، فهي قريبة، يكاد يلمسها لو مد يده؛ لكنها في الوقت عينه، عصيّة ومتمنعة بحيث قد ينقضي الوقت بدون القدرة على جلبها.

ثمة حلول أو طرائق قد تنفع في مواجهة ذلك الاستعصاء، ولو بقدر ما، كونها تُحفّز عملية التدحرج تلك التي تحدّث عنها ديفيد لينش، من الغرفة المجاورة إلى عقل الروائي.

منها أن يكون لدى الكاتب مشروع واضح الملامح يُعينه في فرز الأفكار التي تلائمه، وتلك التي لا توافق مبتغاه. كثيرة هي الحكايات الجيدة في العموم؛ لكن ما يهم أن تكون كذلك بالنسبة لكل كاتب على حدة في المقام الأول. إذ قد تكون جيدة؛ لكن لآخرين، وهنا يتم تجاهلها أسوة بالأفكار غير الناضجة. هذا التفريق الدقيق يصعب الإمساك به بدون معرفة مسبقة بالمسار الكتابي، الذي ينتهجه الروائي دون غيره.

من المفيد أن يتعلم الشخص من الكيفية التي يفكر بها المبدعون، أؤمن أن ثمة طريقة يمكن تتبعها في الطريقة التي يعمل بها عقل الروائيّ الجيد، وكيف يختار مواضيعه وتلك الزوايا التي يُفضلها على حساب أخرى أكثر شيوعا.

مما يُقرّب الفكرة المرجوة أيضا، أن ينطلق الكاتب من الأمور التي يعرفها أكثر من  الآخرين. ثمة منطقة لدى كل روائي عادة هي ملعبه الأثير ومجاله الذي يستطيع التحرك فيه بقدرة أكبر من غيره. هذه المنطقة قد تكون بقعة جغرافية، أو تجربة نادرة، أو علما متخصصا، أو حتى شغفا متفردا. ومن ذك أنه بقدر ما كتب عن الموسيقى روائيا على سبيل المثال، يستطيع المتخصص أو العاشق لها أن يجد ثغرة تنفذ إليه منها فكرة مختلفة، وهذه الرابطة الوجدانية لا تقتصر على الأمور المحببة؛ بل حتى تلك التي يبغضها المرء تصلح لتوحي بفكرة ما. ذلك النفور من شيء يقبل عليه الناس بشراهة قد يقود إلى شيء مختلف متى استثمر جيدا. وهنا ليس بالضرورة أن تحمل الفكرة الرواية بأكملها، إذ يمكن أن تكون متضمنة فيها، كحبكة جانبية ترافق مسار الحكاية الرئيس على سبيل المثال.

كثيرا ما يتردد أن وفرة القراءة في الأدب تنير الدروب نحو أفكار روائية. هذا صحيح بلا شك، غير أنّ ذلك لا يحدث بشكل آلي وتلقائي على أنه نتيجة طبيعية للقراءة، وإنما يتطلب قراءة فاحصة متأنية. إنه ذلك النوع من القراءة الذي يهتم بالطريقة التي كُتبت بها القصة أكثر من الانشغال بنهاية الحكاية، ومن القراءة المتربّصة التي تُسائل النص وتبحث عن ثغراته ونواقصه كما تفعل مع عناصر اكتماله على حد سواء. كل تلك الفرص الفائتة في نص ما، كل ما كان يلزم فعله وتم إغفاله، كل ما أُنجز على نحو خاطئ أو قاصر، هي إشارات قد تدّل على فكرة روائية جديدة. ليس هذا وحسب، فظلال الحكايات التي نقرأها أو انعكاسها في أرواحنا هي حكايات أخرى يمكن التقاطها. ما يعبر النفس يصبح شيئا مختلفا عما كان عليه قبل أن تقع أعيننا عليه؛ لذا حين يبحث الكاتب في ذاته، إنما هو يبحث في الكون من حوله. كل هذا الغوص في الداخل، هو إجالة للنظر في المدى؛ لكن بعد أن يكون قد اكتسب ذاتية ما.

أخيرا من المفيد أن يتعلم الشخص من الكيفية التي يفكر بها المبدعون، أؤمن أن ثمة طريقة يمكن تتبعها في الطريقة التي يعمل بها عقل الروائيّ الجيد، وكيف يختار مواضيعه وتلك الزوايا التي يُفضلها على حساب أخرى أكثر شيوعا. لا يحدث الأمر اعتباطا في العادة، الفكرة التي تبدو قد لمعت في الرأس فجأة يسبقها تمهيد ذهني واشتغال ودأب في استدعائها. هذا الأمر يُشبه كل مراحل العمل الروائي الذي يبتعد في حقيقته عن الإلهام بمعنى الانتظار، ويقترب من بذل الجهد والعمل الشاق.



إقرأ المزيد