العلامة ابن حزم الأندلسي.. حين اعترف بإخفاق حُبّه مرتين!
الجزيرة.نت -

"إني كُنتُ أشدّ الناس كلفا وأعظمهم حُبا بجارية لي كانت فيما خلا اسمها نَعم، وكانت أُمنية المتمني، وغَاية الحُسن خُلقا وخَلقا وموافقة لي، وكنا قد تكافأنا المودّة، ففجَعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار، وسِنّي حين وفاتها دُون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمتُ بعدها سبعة أشهر لا أتجردُ عن ثيابي، ولا تفتُر لي دَمعة على جُمود عيني".

(ابن حزم عن حبيبته نعم)

أنجبت الأندلس طوال تاريخ الإسلام فيها الذي استمر لثمانية قرون عباقرة وعظماء في ميادين الشريعة والعلوم والآداب والفنون، فضلا عن السياسة والعسكرية، ودُعاة على درجة كبيرة من العفّة والصيانة.

وفي نهاية عصر الدولة الأموية في الأندلس، وفي سنوات ازدهارها الأخيرة واضطرابها أيضا، وفي بيت من بيوت الشرف والمكانة والسُّؤدد فيها، وُلد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم في عام 384هـ/994م، وهو واحد من الرجال الفطاحل في تاريخ الأندلس وعباقرة ميادينها الفكرية والفلسفية والدينية؛ ذلك الرجل الذي يبدو أنه جمع المتناقضات فصار رأسا للمذهب الظاهري، وفقيها مُتبحِّرا مقارنا في المذاهب الفقيهة كلها، وفيلسوفا متأملا، بل ورجل سياسة، إذ كان والده من الوزراء الكبار، وكان في الوقت ذاته ذا عاطفة جيّاشة، ونفس مُرهفة، وقلب يعرف للحب قدره!

لم يكذب الشاعر والصوفي الكبير ابن العريف الأندلسي حين قال: "لسانُ ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف صنوان"، وهو تشبيه نرى منه قوة لسان ابن حزم، وإفحامه للخصوم، وحجّته الحاضرة، وبيانه الباهر، وهو لسان كان سببا في إيقاع العداوة والبغضاء لدى منافسيه الذين ضعفوا أمامه، وأُلجئوا في نهاية المطاف لإحراق كُتبه بتُهم كاذبة جعلت الرجل يتجه إلى مزرعة آبائه وأجداده النائية في سنوات عمره الأخيرة معتكفا على العلم، ومستقبلا لطلبة العلم من أرجاء الأندلس!

لكن ابن حزم أيضا أهدى لنا لونا بديعا من ألوان الأدب العربي والأندلسي، تجلَّت فيه شجاعته وذوقه وذكرياته في مراحل الشباب والعشق، ذلك هو كتابه الأثير والشهير "طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف". فمَن هو ابن حزم؟ ولماذا ألَّف هذا الكتاب؟ وكيف تناول أبرز إخفاقاته في هذا الميدان الإنساني الراقي؟! ذلك ما سنراه تاليا.

عرفنا أن ابن حزم كان سليل أسرة ميسورة، إذ كان والده من وزراء الدولة الأموية في أيامها وسنينها الأخيرة في الأندلس، ومن هنا فقد نشأ ابن حزم في بيئة حفلت بالجواري والنساء، فهنّ اللواتي حفّظنه القرآن الكريم، وعلّمنه الأدب والشعر، فتجلّت هذه النشأة في نفسه، وهو يعترف لنساء القصور بهذا الفضل، قائلا: "لقد شاهدتُ النساء وعلمتُ من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري؛ لأني رُبيتُ في حجورهن، ونشأتُ بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حدّ الشباب، وهُنّ علّمنني القرآن، وروّينني كثيرا من الأشعار، ودرّبنني في الخطّ، ولم يكن كدّي وإعمال ذهني مذ أول فهمي، وأنا في سن الطفولة جدا، إلا تعرّف أسبابهن، والبحثُ عن أخبارهنّ، وتحصيل ذلك"[1].

إن هذه التنشئة بين نساء القصور من الحرائر والجواري التي عاشها ابن حزم حتى سنوات الشباب أثّرت في كيانه ومشاعره، وأدرك من خلالها قيمة المرأة في عالم الرجل بلا شك؛ قيمة ستتبدّى في قصص الحب العُذري التي عاشها بنفسه أو كان شاهدا عليها في قُرطبة عاصمة الخلافة الأموية الأندلسية أو في خارجها من مدن الأندلس الأخرى.

وستظهر هذه الحقائق حين أرسل إليه أحد أصدقائه من مدينة ألمرية، وكان هو يسكن في شاطبة آنذاك، في حدود عام 417هـ يطلبه أن يكتب شيئا في الحبّ والمحبين وهو في أواخر سن الشباب، ورغم تردده في الكتابة أولا، فإن قلمه انسال يرفع عنه ما كان يُخفيه من لوعة الحب وقصصه، وما يُضمره من مشاعر كانت تحتاج إلى تحريكها نحو العلن ومداد الأقلام.

أعظم القصص التي حكاها ابن حزم عن حبّه لجارية كانت في سِن السادسة عشرة، وكان يعشقها عشقا، لكنها لم تكن تُبادله الشعور نفسه، ويبدو أن هذا الصدّ والصدود قد جعل لهيب الحب والشوق يشتعل في كيانه ونفسه، تجلّى هذا في وصفه لتلك اللحظات حتى بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاما أو أكثر على تلك الواقعة، يقول بأسلوب عذب رشيق مليء بالمعاني والحب:

"إني لأخبرُ عني أني ألفتُ في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأَت في دارنا، وكانت في ذلك الوقت بنت ستة عشر عاما، وكانت غاية في حُسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها، عديمة الهزل، منيعة البذل، بديعة البِشْر، مُسْبلة السِّتر، قليلة الكلام، مغضوضة البصر، شديدة الحذر، نقية من العيوب، دائمة القُطوب، كثيرة الوقار، مستلذَّة النّفار، لا توجه الأراجي نحوها، ولا تقفُ المطامع عليها، ولا معرس للأمل لديها، فوجهها جالب كل القلوب، وحالها طارد من أمها… موقوفة على الجد في أمرها غير راغبة في اللهو، على أنها كانت تُحسن العود إحسانا جيدا، فجنحت إليها وأحببتها حبا مفرطا شديدا، فسعيت عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة"[2].

يحكي ابن حزم كيف أن هذه الجارية، أي الفتاة بلغتنا اليوم، كانت في صُحبة من الفتيات والنساء الأخريات في دارهم الفسيحة التي كانت على قمة عالية من قمم قُرطبة في يوم مشمس لا ينساه، وكيف كانت نوافذها مشرعة على لوحة بانورامية رائقة تشاهد منها النساء وابن حزم بينهنّ مناظر قرطبة العامرة، وكيف كان يحاول الاقتراب من هذه الفتاة علّها تتفضل عليه بكلمة أو لمحة أو أن تميل إليه مجرد ميل، فيبرد ما كان في قلبه من الشوق ولو قليلا، يقول:

"ثم تنقّلن إلى قصبة كانت في دارنا مُشرفة على بُستان الدار، ويُطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها (مناطقها)، مُفتحة الأبواب، فصِرن ينظرن من خلال الشراجيب (الشُّرفات) وأنا بينهن، فإني لأذكر أني كنت أقصدُ نحو الباب الذي هي فيه أُنسا بقربها، مُتعرّضا للدنو منها، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره في لُطف الحركة، فأتعمّدُ أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه، فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره، وكانت قد علِمَت كَلَفي (حبي وتعلقي) بها، ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيه، لأنهن كن عددا كثيرا"[3].

ثم يحكي ابن حزم كيف أجبرت الحوادث السياسية والده على الانتقال من شرقي قرطبة إلى غربيها حيث بيوتهم القديمة في السنوات الأخيرة من انهيار حكم الأمويين، واضطراب الثورات ما بين عامي 399-402هـ، وكيف أدّت هذه الحوادث إلى اضطهاد والده الوزير، وابتعاد ابن حزم رغما عنه عن حبيبته التي عشقها تلك، حتى إذا جاءت وفاة والده في عام 404هـ وهو في سن العشرين من عُمره، جاءت تلك الفتاة للتعزية ضمن مَن جئنَ من النساء، وقد رآها فزاد مُصابه، وأثارت عليه ذكريات حاول نسيانها، يقول:

"فلَقد أثارتْ وَجدا دفينا، وحركَت ساكنا، وذكّرتني عهدا قديما، وحُبا تليدا، ودهرا ماضيا، وزمنا عافيا، وشهورا خوالي، وأخبارا توالي، ودهورا فواني، وأياما قد ذَهبت، وآثارا قد دَثرت، وجدّدت أحزاني، وهيّجت بلابلي (وساوسي وخواطري)، على أني كنتُ في ذلك النهار مُرزءا مصابا من وجوه، وما كنتُ نسيت، ولكن زاد الشّجى وتوقّدت اللوعة، وتأكد الحزن، وتضاعف الأسف، واستجلب الوجد ما كان منه كامنا فلبّاه مجيبا، فقلتُ قطعة منها:

يبكي لميتٍ ماتَ وهو مُكرّم … ولَلحيّ أولَى بالدموع الذوارفِ

فيا عجبًا مِن آسفٍ لامرئٍ ثَوَى … وما هو للمقتول ظلمًا بآسفِ".[4]

لم تكن هذه الفاجعة هي الإخفاق الوحيد لابن حزم في مسيرة حُبّه، بيد أنه سرعان ما تحامل على نفسه ونسي تلك الفتاة أو تناساها قليلا، حتى شغَلته أخرى اسمها "نعَم" بحبّها وأخلاقها وجمالها الأخّاذ، وكانت هذه الفتاة أو الجارية التي تملّكها بيمين، على خلاف حبّه الأول، متوافقة معه، مُطيعة له، يبدو أنهما تعاهدا على المسير معا حتى آخر العُمر، لكن للقدر أحكامه النافذة، يقول:

"كنتُ أشد الناس كلفا وأعظمهم حبا بجارية لي كانت فيما خلا اسمها نَعم، وكانت أُمنية المتمني، وغَاية الحُسن خُلقا وخَلقا وموافقة لي، وكنتُ أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودّة، ففجَعتني بها الأقدار، واخترمتها الليالي ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار، وسِنّي حين وفاتها دُون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمتُ بعدها سبعة أشهر لا أتجردُ عن ثيابي، ولا تفتُر لي دَمعة على جُمود عيني وقلة إسعادها، وعلى ذلك فو الله ما سلوتُ حتى الآن، ولو قُبل فداء لفديتها بكل ما أملك مِن تالدٍ وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة عليّ مُسارعا طائعا، وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيتُ ذكرها، ولا أُنِسْتُ بسواها، ولقد عَفَى حُبّي لها على كل ما قبله، وحرّم ما كان بعده"[5].

إننا نجد بين ثنايا حكايات "طوق الحمامة" بعض القصص الأخرى التي خاب فيها مسعى ابن حزم، وأثّرت فيه للغاية، وقد كان للحق من أشجع المؤرخين والفقهاء وعلماء الشريعة حين اعترف بهذه المشاعر في كتابه ذاك قبل ألف عام كاملة، إن حب ابن حزم، وإخفاقاته التي توالت عليه، لم تُنسِه تلك اللذة التي انسابت في كلماته عذبة المذاق كما نراها، صادقة أيّما صدق في إيصال معناها بل وفي مبناها، لقد اعترف بروعة الحب وجماله وحكاياته التي عاشها بين قصور قرطبة وأزقتها، وبساتين الأندلس وغياضها، وحكايات العُشّاق فيها، وتلك لمحة إنسانية رومانسية في تاريخ الأدب بعد الإسلام لافتة ومُدهشة بلا ريب!

—————————————————————————–

المصادر
  1. ابن حزم: طوق الحمامة في الألفة والألاف ص50.
  2. طوق الحمامة ص249.
  3. السابق ص250.
  4. السابق ص252.
  5. السابق ص224.

المزيد من مقالة



إقرأ المزيد