سجن التاجي.. مناشدة تدفع السلطات العراقية لتكثيف جهود محاربة الفساد في السجون
الجزيرة.نت -

بغداد– ما زالت السجون العراقية تكتظ بالسجناء من المحكومين والموقوفين في بغداد والمحافظات الأخرى بتهم وجرائم مختلفة تنوعت بين الإرهاب والأعمال الجنائية، ويؤكد ناشطون بحقوق الإنسان وجود انتهاكات في هذه السجون.

وانتشر مؤخرا فيديو مسرب من سجن التاجي في بغداد إلى وسائل إعلام، تضمن استغاثة السجناء من انتهاكات وصفت بأنها لا أخلاقية ولا إنسانية تمارس بحقهم من إدارة السجن، وذلك من خلال إجبارهم على شراء المخدرات والهواتف النقالة بأسعار باهظة.

وهزت الحادثة الرأي العام في العراق، وعلى إثرها قرر وزير العدل خالد شواني، إعفاء مدير السجن ومعاونيه وعدد من المسؤولين عن إدارته.

ووفق بيان وزارة العدل فإن قرار الإعفاء شمل إضافة إلى مدير سجن التاجي ومعاونيه، مسؤول شؤون الداخلية والأمن ومسؤول التصاريح الأمنية، وتمت إحالتهم الى الجهات التحقيقية لغرض التحقيق معهم بشأن ما ورد من الاتهامات في الفيديو.

إجراء رادع

وثمة سؤال يعرض نفسه هل ستكون حادثة التاجي الأخيرة أم أن الانتهاكات ستستمر بسبب ضعف الرقابة على إدارات السجون؟

يجيب عن هذا السؤال عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق علي البياتي، الذي أكد للجزيرة نت أن الوضع في السجون كمن يدور في حلقة مفرغة من حيث الانتهاكات المستمرة بدون حلول حقيقية مؤسساتية وبدون تنفيذ العدالة من خلال محاسبة الجناة وخلق أجواء فيها رقابة وشفافية لما يجري داخل هذه المواقع.

وقال البياتي مستغربا، هناك تستر على العديد من الانتهاكات في السجون وإهمال تقارير الجهات المختصة بحقوق الإنسان والمعنية بمراقبة السجون، في حين تقتصر الإجراءات الحكومية على إعفاء مسؤولين كرد فعل، معتبرا أنه إجراء غير رادع.

وحذر من وجود شبكة فساد كاملة بسبب الفساد المستشري في هذه المواقع.

ويرى البياتي أن الحلول تكمن في أن تقوم المؤسسات بأدوارها، ويجب على البرلمان -وخاصة لجنة حقوق الإنسان فيه- استجواب المسؤولين عن هذه الأحداث والكشف عن طبيعة مجريات ما حدث، وكذلك تفعيل دور مفوضية حقوق الإنسان، وهي التي لديها صلاحيات لدخول السجون ومراقبة أدائها. وطالب القضاء بمحاسبة المتورطين بهذه الانتهاكات.

السجناء العراقيون في سجن التاجي يناشدون لإنقاذهم
سجناء عراقيون في سجن التاجي ناشدوا قبل سنوات لإنقاذهم (الجزيرة)
في إطار التحقيق

وفي إطار التحقيق الخاص بسجن التاجي والفيديو المسرب زار وفد من لجنة حقوق الإنسان النيابية بقيادة رئيسها أرشد الصالحي، سجن التاجي للاطلاع على أوضاع السجناء والتحقق من الانتهاكات بحقهم. كما التقوا مدير السجن والكادر الخاص بحماية السجن، وفق بيان للدائرة الإعلامية للبرلمان العراقي.

ونقل البيان عن الصالحي قوله، إن اللجنة تسعى لتكثيف جهودها في معالجة المعوقات بالتعاون مع السلطة التنفيذية من أجل النهوض بواقع حقوق الإنسان في العراق.

ووفقا للبيان فإن مدير السجن أحمد الطائي طالب بزيادة الكادر من الحراس الإصلاحيين، وكذلك توفير مستلزمات التفتيش من خلال كلاب التفتيش، في حين أكدت اللجنة النيابية سعيها لمتابعة المشاكل وإيصالها إلى وزير العدل في أقرب استضافة له في البرلمان للاطلاع على نتائج زيارة السجن ورفع تقرير لرئاسة المجلس.

المتحدث باسم وزارة العدل كامل أمين، الجزيرة نت
المتحدث باسم وزارة العدل كامل أمين أكد على أن مسؤولي الوزارة يُجرون زيارات مستمرة ومفاجئة للسجون للوقوف على الأوضاع (الجزيرة نت)
السيطرة على الانتهاكات

وتحدثت وزارة العدل العراقية عن إجراءاتها إزاء الانتهاكات التي تحدث في السجون وآليات السيطرة على دخول المخدرات والممنوعات، إذ يؤكد المتحدث باسم الوزارة كامل أمين، وجود بعض الخروقات في السجون ومنها إدخال مخدرات أو هواتف نقالة وغيرها من الممنوعات، مشيرا إلى أن ذلك يقابله في الاتجاه الآخر آليات للسيطرة عليها، عبر التنسيق المباشر مع الأجهزة الأمنية كوزارة الداخلية وقيادات العمليات، باعتبار أن الأطواق الأمنية حول السجون، قبل الطوق الأخير لدائرة الاصلاح، هي من مهام تلك الأجهزة.

وأوضح أمين للجزيرة نت أن وزارة العدل تتعامل مع موقوفين بقضايا مختلفة، لذا فإن الوزارة تنفذ برامجها الإصلاحية التي تقوّم سلوك هؤلاء النزلاء، وهي مهمة ليست بالسهلة، لكنها قائمة على أرض الواقع، وتم إصلاح أعداد كبيرة من المسجونين قبل انتهاء محكومياتهم وإطلاق سراحهم.

وبخصوص متابعة الانتهاكات داخل الأقسام الإصلاحية في السجون، نوه أمين إلى أن وزير العدل خالد شواني يُجري زيارات مستمرة ومفاجئة للسجون، ويلتقي المساجين للاطمئنان عليهم.

وأشار إلى أن الوزارة جهة إيداع، وتوفر الخدمات للنزلاء وفق معايير حقوق الإنسان من ناحية الطعام والملابس والخدمات الصحية وغيرها، مستدركا بالقول إن الوزارة لديها لجان بأعلى المستويات لمتابعة التزام أقسام السجون بالخطة التي وضعتها بما يخص وصول الاحتياجات التي كفلها القانون للسجناء.

وفي معرض ردها على وزارة العدل أكدت وزارة الداخلية أن إدارة السجون ومواقع المحكومين ليس من اختصاصها، وإنما من اختصاص وزارة العدل، وفق المتحدث باسم الوزارة اللواء خالد المحنا الذي بين في حديث مقتضب للجزيرة نت أن إدارة السجون ليست من اختصاص وزارته.

عوائل السجناء

وإزاء جميع آراء المسؤولين والمهتمين بحقوق السجناء التي ضمنها الدستور العراقي والقوانين النافذة، يقول شقيق أحد نزلاء سجن التاجي -وهو محكوم 10 سنوات بدعوى التزوير- إن إدارة السجن لا تتعامل مع جميع السجناء بأسلوب واحد، وفق ما نقل له شقيقه وإنما بطرق مختلفة خاصة أن بعض السجناء يمارسون الاحتيال داخل السجن أيضا.

ويوضح شقيق السجين الذي عرف نفسه باسم أبو شيماء في حديث للجزيرة نت، أن بعض السجانين يتعاملون بقسوة، خاصة مع السجناء المحكومين بجرائم كبرى.

وبيّن أن زيارة السجناء من قبل ذويهم تتم بانتظام وبواقع 4 مرات شهريا.

إحصاءات رسمية

مصادر رسمية من وزارة العدل أكدت للجزيرة نت أن عدد السجون في عموم العراق 30 سجنا، وبنحو 59 ألف سجين، بين محكوم وموقوف بجرائم إرهابية وجنائية، ومن بين السجناء 1500 امرأة، فضلا عن السجن الفدرالي أو ما يعرف بسجن (سوسة) في محافظة السليمانية ضمن إقليم كردستان، وهو مرتبط بوزارة العدل الاتحادية.

وطبقا للمصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، فإن أعداد السجناء متغيرة بشكل يومي وفق قرارات الإيداع والإفراج، فتارة ترتفع وتارة تنخفض، وهناك موقوفون على قضايا مختلفة يفرج عنهم قبل صدور الأحكام القضائية لعدم وجود أدلة أو بسبب براءتهم.

سعيد موسى اعتبر أن الفساد صار مستحكما في السجون العراقية بسبب غياب الرقابة الاستباقية (الجزيرة نت)
غياب الرقابة الاستباقية

ومن وجهة نظر عضو لجنة مكافحة الفساد الأسبق سعيد ياسين موسى فإن الفساد صار مستحكما في السجون بسبب غياب الرقابة الاستباقية، حيث أكد للجزيرة نت أن هناك مؤشرات على المتاجرة بالمخدرات وتحديدا الحبوب المخدرة، وتسويقها داخل السجون، كذلك إدخال الهواتف والشرائح وبطاقات الشحن وجرائم أخرى متنوعة تحدث داخل الردهات والزنازين، منوها إلى أن هناك حاجة ماسة لإصلاح دائرة الإصلاح التي تدير السجون والمعتقلات في عموم البلاد.

جدير بالذكر أن الدستور العراقي ينص على تحريم الاعتقال غير القانوني وجميع أشكال التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، ويضمن الحق في المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية وفق المادة 37، في حين تجرم المادة 333 من قانون العقوبات العراقي أعمال التعذيب، إذ تنص على أن يعاقب بالسجن أو الحبس كل موظف أو مكلف بخدمة عامة عذب أو أمر بتعذيب متهم أو شاهِد لحمله على الاعتراف بجريمة أو الإدلاء بأقوال أو معلومات، أو لكتمان أمر من الأمور أو لإعطاء رأي معين بشأنها، ويكون بحكم التعذيب استعمال القوة أو التهديد.

كما يجرّم قانون العقوبات استعمال القسوة، من قبل موظف أو مكلف بخدمة عامة إذا تسببت في معاناة شخص أو الإخلال باعتباره أو كرامته أو إحداث ألم ببدنه، وفق المادة 332.



إقرأ المزيد