إيلاف - 3/23/2026 10:57:05 AM - GMT (+3 )
خلال استضافته لرئيسة وزراء اليابان، ساناي تاكايتشي، في المكتب البيضاوي يوم 19 مارس/آذار من عام 2026، سخر دونالد ترامب من الهجوم الياباني عام 1941 على قاعدة بيرل هاربر خلال الحرب العالمية الثانية.
فبعد سلسلة من الأسئلة حول الصراع الحالي في إيران، سأله صحفي ياباني: "لماذا لم تُخبر حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا مثل اليابان بالحرب قبل مهاجمة إيران؟".
أجاب ترامب: "هناك شيء واحد لا تريد الإفصاح عنه كثيراً، كما تعلم، عندما نتحرك، نتحرك بقوة كبيرة، ولم نُخبر أحداً بذلك لأننا أردنا عنصر المفاجأة، من يعرف المفاجأة أفضل من اليابان؟"، ساد الضحك في الغرفة، لكن الرئيس لم ينتهِ بعد حيث سأل مازحاً: "لماذا لم تخبروني عن بيرل هاربر؟".
- من هي "السيدة الحديدية" في اليابان، ساناي تاكايشي؟
- وفاة جندي ياباني لم يصدق انتهاء الحرب العالمية حتى 1974
فجأة خفتت الضحكات، واتسعت عينا تاكايتشي وتحركت في مقعدها، بينما استحضر ترامب تلك اللحظة التي أدخلت الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية.
لقد وقع الهجوم الياباني على القاعدة البحرية الأمريكية في بيرل هاربر بجزيرة أواهو في هاواي في 7 ديسمبر/ كانون الأول من عام 1941، أي قبل ما يقرب من 5 سنوات من ولادة ترامب، وقد أسفر عن مقتل 2300 شخص، وأعلنت الولايات المتحدة الحرب على اليابان في اليوم التالي، ووصف حينها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ذلك الهجوم بأنه "سيبقى وصمة عار في التاريخ".
وقد هزمت الولايات المتحدة اليابان في أغسطس/ آب من عام 1945، بعد أيام من الهجمات بالقنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي التي قتلت مئات الآلاف من المدنيين.
وتقول دائرة المعارف البريطانية عن هذا الهجوم إنه أدى إلى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، فرغم أن تلك الحرب كانت قد اندلعت عام 1939 بعد غزو ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر لبولندا ومناطق أخرى من أوروبا، مما دفع بريطانيا وفرنسا لإعلان الحرب عليها، إلا أن الولايات المتحدة لم تنضم رسميا للحلفاء في الحرب إلا بعد هجوم بيرل هاربر، وكانت مكتفية قبله بتوفير الأسلحة والذخيرة لبريطانيا.
الطريق إلى الحرب
شكّل هجوم بيرل هاربر ذروةَ عقدٍ من تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة واليابان، وظلّ هذا الحدث واحداً من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين، قبل أن تتحول لاحقاً إلى شراكة استراتيجية.
فقبيل الهجوم، كانت اليابان تسعى إلى توسيع نفوذها في جنوب شرق آسيا، والاستفادة من موارد تلك المنطقة لدعم مجهودها الحربي، ورأت في الوجود البحري الأمريكي في المحيط الهادئ عقبةً كبرى أمام طموحاتها التوسعية. كما تزايد توتر العلاقات بسبب خلافات اقتصادية بين البلدين
وفي أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، ارتكزت السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة المحيط الهادئ على دعم الصين؛ لذلك كان عدوان الإمبراطورية اليابانية عليها يُنذر بصدامٍ حتمي مع الولايات المتحدة.
فمنذ عام 1931، كانت حكومة طوكيو قد وسّعت سيطرتها على إقليم منشوريا الصيني، وفي العام التالي عززت اليابان قبضتها على المنطقة بإنشاء دولة مانشوكو التابعة لطوكيو.
وعملت طوكيو على استغلال منشوريا المحتلة عبر إنشاء صناعات ثقيلة وخفيفة، وكان ذلك ضرورة عملية لليابان، التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية، لذلك أصبح البحث عن مصادر بديلة محور السياسة الخارجية والعسكرية طوال ذلك العقد، وأدى في النهاية إلى الهجوم على بيرل هاربر واندلاع حرب المحيط الهادئ.
وإلى جانب الاعتبارات الاقتصادية، عززت النجاحات العسكرية المبكرة وشعور متأصل بالتفوق العرقي اعتقاد اليابان بأنها تستحق الهيمنة على السياسة الآسيوية، وكما هو الحال مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، أدى هذا المزيج إلى تبني سياسة خارجية عدوانية ذات طابع استعماري جديد، عُرفت باسم "مجال الازدهار المشترك لشرق آسيا الكبرى"، وقد فرضت معدلات المواليد المرتفعة والاعتبارات الاقتصادية الحاجة إلى المزيد من الأراضي، بينما استُخدم مفهوم "النقاء العرقي" لتبرير ذلك.
وقد شكّل الاشتباك عند جسر ماركو بولو قرب بكين في 7 يوليو/تموز من عام 1937 بداية الحرب المفتوحة بين اليابان والجبهة المتحدة التي ضمت القوميين الصينيين والحزب الشيوعي الصيني، وفي أعقاب ذلك، قدمت الحكومة الأمريكية أول قرض إلى الصين عام 1938.
وفي يوليو/تموز من عام 1939 أعلنت الولايات المتحدة إنهاء معاهدة التجارة والملاحة المبرمة عام 1911 مع اليابان، وابتداءً من صيف عام 1940، بدأت الولايات المتحدة في تقييد تصدير المواد المفيدة للحرب إلى اليابان، وبين يونيو/حزيران 1940 والأزمة الحاسمة في ديسمبر/ كانون الأول من عام 1941، ظل التوتر يتصاعد باستمرار.
وكان العسكريون يزدادون نفوذاً بشكل مطّرد داخل حكومة طوكيو، وقد استاؤوا بشدة من الدعم الأمريكي للصين، الذي كان قد تزايد بحلول ذلك الوقت، ورأوا في الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي فرصة لا مثيل لها لمواصلة سياسة عدوانية في الشرق الأقصى دون خوف من هجوم من الخلف من قبل قوات الجيش الأحمر السوفيتي، وكان سقوط فرنسا وهولندا أمام ألمانيا عام 1940 قد أسفر عن ترك مستعمراتهما في جنوب شرق آسيا بلا حماية، فباتت هدفاً مباشراً لليابان.
وفي يوليو/تموز من عام 1941، وبعد أن كانت اليابان قد احتلت كامل الهند الصينية ودخلت في تحالف مع دول المحور (ألمانيا وإيطاليا)، قطعت الحكومة الأمريكية جميع العلاقات التجارية والمالية مع اليابان، وجُمّدت الأصول اليابانية، وفُرض حظر على شحنات النفط وغيره من المواد الحيوية للحرب إلى اليابان، وأدى ذلك إلى المزيد من تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة التي اعتمدت اليابان عليها تاريخياً في تزويدها بالعديد من الموارد الطبيعية والصناعية.
وعقب ذلك، بدأت مفاوضات بين الجانبين الأمريكي والياباني بهدف التوصل إلى نوع من التفاهم حول 3 قضايا رئيسية وهي العقوبات الاقتصادية حيث كانت طوكيو تسعى إلى رفع هذه العقوبات لأنها كانت تهدد اقتصادها وقدرتها العسكرية بشكل مباشر، والحرب في الصين حيث كانت واشنطن تطالب اليابان بالانسحاب من الأراضي الصينية، والتوسع الياباني في شرق آسيا إذ كانت أمريكا قلقة من ذلك بينما كانت طوكيو تريد اعترافاً أمريكيا بنفوذها في آسيا.
وقد استمرت المفاوضات طوال خريف عام 1941، ولم يبد حتى أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني إمكانية التوصل لأي اتفاق.
وكانت اليابان، عندما احتلت الهند الصينية، تدرك أن أي توسع كبير في جنوب شرق آسيا سيؤدي على الأرجح إلى مواجهة مع الولايات المتحدة، لذلك سعت إلى إيجاد وسيلة تضمن لها فترة زمنية مؤقتة تتحرك خلالها بحرية لتحقيق أهدافها في السيطرة على مناطق حيوية مثل إندونيسيا والفلبين وبورما ومالايا، وكان الهجوم على بيرل هاربر هو هذه الوسيلة، إذ هدفت اليابان إلى تحييد الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ مؤقتاً، بما يمنحها الفرصة لتأمين الموارد الاستراتيجية التي تحتاجها، مع أمل في إضعاف الموقف الأمريكي، وربما دفع واشنطن إلى التفاوض على السلام.
وخلال المفاوضات، قررت حكومة رئيس الوزراء الياباني توجو هيديكي خوض الحرب في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1941، ورغم ذلك واصلت التفاوض مع الولايات المتحدة حتى يوم الهجوم على بيرل هاربر، وكان الأدميرال ياماموتو إيسوروكو، القائد العام للأسطول الياباني المشترك، قد خطط للهجوم على أسطول المحيط الهادئ الأمريكي بعناية كبيرة.
وكان العسكريون اليابانيون يرون أنه بمجرد إخراج الأسطول الأمريكي من المعركة، فإن الطريق سيُفتح أمام اليابان لغزو جنوب شرق آسيا وأرخبيل إندونيسيا دون عوائق، وفي 16 نوفمبر/ تشرين الثاني بدأت القوة الضاربة تجمعها في جزر كوريل.
ومع ذلك، تلقى القادة اليابانيون تعليمات بإمكانية استدعاء الأسطول في حال أسفرت المفاوضات في واشنطن عن نتيجة إيجابية.
وفي 26 نوفمبر/ تشرين الثاني، قاد نائب الأدميرال ناغومو تشويتشي أسطولاً ضم 6 حاملات طائرات، وبارجتين، و3 طرادات، و11 مدمرة، إلى نقطة تبعد نحو 440 كيلومتراً شمال هاواي، ومن هناك أُطلقت نحو 360 طائرة في المجمل.
التحذيرات والاستجابات
كان أسطول المحيط الهادئ الأمريكي متمركزاً في بيرل هاربر منذ أبريل/ نيسان من عام 1940، وقد شمل ما يقرب من 100 سفينة حربية، من بينها 8 بوارج، كما كانت هناك قوات عسكرية وجوية كبيرة.
ولم تكن التحذيرات غائبة، ففي يناير/كانون الثاني من عام 1941، أرسل السفير الأمريكي في طوكيو معلومات تفيد بأن اليابان تخطط لهجوم، لكنها أُهملت، كما تم تجاهل تحذيرات عسكرية لاحقة، ومع تصاعد التوتر، وردت تحذيرات استخباراتية للأدميرال إدوارد كيميل والجنرال والتر شورت، اللذين كانا يتقاسمان القيادة في بيرل هاربر، من احتمال نشوب الحرب، وذلك تحديداً في 16 أكتوبر/ تشرين الأول، ثم مُجددا في 24 و27 نوفمبر/ تشرين الثاني.
ولم يشك أي من هذين القائدين في أن قاعدة بيرل هاربر قد تتعرض لهجوم، كما لا توجد أي مؤشرات على أن رؤساءهما في واشنطن كانوا مدركين بأي شكل من الأشكال للخطر الوشيك، وخلال الأيام العشرة التي تلت تحذير الحرب في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني وحتى الهجوم الياباني نفسه، لم تُتخذ أي إجراءات احترازية.
وقد وقعت حوادث كان من الممكن أن تُعطي تحذيراً قصير المدى إذا تم تفسيرها بشكل صحيح، فقبل 4 ساعات من اللحظة الحاسمة، رُصدت غواصة يابانية من قبل كاسحة الألغام يو إس إس كوندور، وبعد نحو ساعتين ونصف، أرسل قائد المدمرة يو إس إس وارد رسالة تفيد بأنه "هاجم وأسقط قنابل عميقة على غواصة تعمل في المنطقة البحرية الدفاعية" بالقرب من بيرل هاربر، وقبل أن يطلع كيميل على هذا التقرير، شرع اليابانيون في الأعمال العدائية.
وفي تلك الساعات الصباحية نفسها، لاحظ الجندي الأمريكي جورج إليوت، أثناء تدريبه على جهاز الرادار بعد انتهاء وقت تشغيله الرسمي، وجود سرب كبير من الطائرات على الشاشة، وعندما أبلغ عن ذلك، قيل له أن يتجاهل الملاحظة، لأن سرباً من قاذفات بي 17 الأمريكية كان متوقعاً في ذلك الوقت، وهكذا ضاعت مرة أخرى فرصة التحذير المبكر.
وعندما بدأ الهجوم كان رئيس أركان الجيش الأمريكي، الجنرال جورج مارشال، خارج مكتبه في جولة على ظهر الخيل.
الهجوم
ظهرت أول قاذفة يابانية فوق بيرل هاربر في الساعة 7:55 صباحاً (بتوقيت المنطقة المحلي)، وكانت جزءًا من الموجة الأولى التي ضمت نحو 200 طائرة، بما في ذلك طائرات طوربيد، وقاذفات، ومقاتلات.
وخلال ربع ساعة، تعرضت مختلف المطارات في القاعدة لهجوم عنيف، وكانت الطائرات العسكرية الأمريكية مصطفة بشكل متقارب في محطة الطيران البحري على جزيرة فورد وفي مدرجي ويلر وهيكام المجاورين، ودُمرت العديد منها على الأرض بسبب قصف الطائرات اليابانية.
وفي مدرج ويلر على وجه الخصوص، كان الدمار هائلاً، فمن بين 126 طائرة على الأرض، دُمّرت 42 بشكل كامل، وتعرضت 41 لأضرار، وبقيت 43 فقط صالحة للخدمة، وقد تمكنت 6 طائرات أمريكية فقط من الإقلاع لصد المهاجمين في هذا الهجوم الأول.
وفي الوقت نفسه، وُجّه هجوم هائل ضد أسطول كيميل، وكانت السفن الراسية في الميناء أهدافاً مثالية للقاذفات اليابانية، ولأن الهجوم وقع صباح يوم الأحد (الوقت الذي اختاره اليابانيون لتحقيق أقصى قدر من المفاجأة)، لم تكن الطواقم مكتملة على متنها.
ولحقت معظم الأضرار بالبوارج في أول 30 دقيقة من الهجوم حيث وقع انفجار هائل في البارجة يو إس إس أريزونا، وغرقت يو إس إس ويست فيرجينيا بعد أن أصابتها القنابل والطوربيدات لتستقر في قاع الميناء، أما يو إس إس أوكلاهوما، فقد أصابتها 4 طوربيدات خلال 5 دقائق فقط، فانقلبت بالكامل، وتعرضت يو إس إس كاليفورنيا للقصف بالطوربيد، وأُمر بتركها وهي تغرق ببطء في مياه ضحلة، كما غرقت السفينة يو إس إس يوتا، ولم تنج أي سفينة من الأضرار.
واستجابت طواقم الدفاع الجوي على مختلف السفن بسرعة إلى حد ما، وأطلق الجيش النار بما توفر لديه من أسلحة، لكن قوة الهجوم لم تتأثر بأي شكل جدي.
وفي الساعة 8:50 صباحاً بدأت الموجة الثانية من الهجوم، وعلى الرغم من أنها كانت أقل نجاحاً من الموجة الأولى، إلا أنها سببت أضراراً جسيمة.
وكانت البارجة يو إس إس نيفادا قد تلقت ضربة طوربيد خلال الموجة الأولى، لكن موقعها في نهاية صف البوارج منحها حرية حركة أكبر مقارنة بالسفن الرئيسية الأخرى الراسية، وكانت تحاول الإبحار عندما ضربتها الموجة الثانية، حيث أصابتها 7 أو 8 قنابل، وقد أشعلت القنابل النيران في البارجة يو إس إس بنسلفانيا، وتعرضت المدمرتان الراسيتان بالقرب منها للتدمير الكامل، أما المدمرة يو إس إس شو فقد انشقت إلى نصفين نتيجة انفجار هائل.
وبعد الساعة 9:00 صباحاً بقليل، انسحب اليابانيون.
لا شك أن اليابانيين حققوا نجاحاً كبيراً، فقد أدى تدمير البارجة أريزونا وحدها إلى خسائر بشرية جسيمة وصلت لنحو ألف قتيل، وبلغ إجمالي الخسائر البشرية للجيش الأمريكي أكثر من 3400، من بينهم أكثر من 2300 قتيل، كما لحقت أضرار كبيرة بالطائرات العسكرية للجيش والبحرية على الأرض، وبالعديد من السفن الحربية.
أما الخسائر على الجانب الياباني فكانت نحو 100 قتيل، وأسير واحد، وفقدان 29 طائرة و5 غواصات صغيرة.
ومع ذلك، كان هناك جانب مريح قليلاً في هذه المأساة بالنسبة للأمريكيين حيث لم تكن حاملات الطائرات الثلاث في الميناء، فقد كانت يو إس إس إنتربرايز، تحت قيادة الأدميرال ويليام هالسي، في مهمة لتعزيز حامية جزيرة وايك بطائرات ومقاتلين، وكان من المقرر أن تعود إلى بيرل هاربر في 6 ديسمبر/ كانون الأول، لكنها تأخرت بسبب الطقس، وكانت يو إس إس ليكسينغتون تقوم بمهمة مماثلة لنقل قاذفات إلى ميدواي، أما الحاملة الثالثة، يو إس إس ساراتوجا، فكانت تقوم بتحميل مجموعة جديدة من الطائرات في سان دييغو صباح يوم الهجوم.
وكان يصحب حاملات الطائرات الثلاث، 7 فرقاطات ثقيلة وفرقة من المدمرات نجت من الهجوم.
التحقيقات ونظرية الباب الخلفيلقد أثار حجم الكارثة وعدم استعداد الجيش الأمريكي انتقادات واسعة، ما أدى إلى إجراء العديد من التحقيقات حيث أُجريت 6 تحقيقات خلال زمن الحرب وتحقيق واحد بعد الحرب لمعرفة كيف فُوجئت أمريكا بهذا الشكل الكامل، وكشفت هذه التحقيقات عن نقص في التنسيق والتواصل بين واشنطن وأواهو، وكذلك بين مختلف فروع القوات المسلحة.
لقد كان نجاح الهجوم على بيرل هاربر ناتجاً بشكل رئيسي عن التقدير الخاطئ لدى الأمريكيين لقدرات ونوايا العدو، وكانت السلطات في واشنطن تعلم أن القوات اليابانية تتحرك جنوباً نحو خليج تايلاند، لكنها لم تصدق أنه بالتزامن مع هذا التحرك، قد تقوم اليابان بشن هجوم على القاعدة في هاواي أو أنها قد ترغب في ذلك.
علاوة على ذلك، بدا منطقياً أن اليابانيين سيتجنبون مثل هذا الإجراء لأنه سيؤدي حتماً إلى دخول الولايات المتحدة في الحرب، أما العمليات في المحيط الهادئ الموجهة ضد البريطانيين والهولنديين فقد لا تؤدي إلى ذلك.
كما نبع هذا القصور من اعتقاد خاطئ بأن اليابان لن تشن هجوماً مفاجئاً دون إعلان حرب، رغم أن تاريخها العسكري كان يشير إلى عكس ذلك.
وقد تم إعفاء كل من كيميل وشورت من مهامهما، وكان الرئيس فرانكلين روزفلت قد عين، بعد الهجوم مباشرة تقريباً، لجنة برئاسة قاضي المحكمة العليا الأمريكية أوين روبرتس لفحص الحقائق وتحديد المسؤولية، وفي 17 ديسمبر/ كانون الأول من عام 1941، قدمت اللجنة تقريرها الذي ألقت فيه باللوم الأساسي على كيميل وشورت.
فقد انتهى التقرير إلى أن التحذيرات كانت كافية، وكان هناك قصور في التعامل معها، وطرح التقرير سلسلة من الأسئلة: لماذا لم تُؤخذ إمكانية الهجوم الجوي في الحسبان؟ ولماذا تم ترتيب طائرات شورت بطريقة تجعلها أكثر عرضة لهجوم العدو؟ ولماذا لم يكن برنامج تدريب الرادار أكثر تقدماً؟ ولماذا وُجدت جميع البوارج في الميناء يوم الأحد؟ ولماذا أُعطيت الإجازات والحقوق العادية لعطلة نهاية الأسبوع؟ ولماذا لم تُبذل محاولة لتحسين الاستطلاع؟ ولماذا لم يُؤخذ تقرير الغواصة اليابانية على محمل الجد؟
كما يشير أولئك الذين يؤكدون مسؤولية كيميل وشورت إلى أن تحذيرات الحرب في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني أدت إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وحزماً من قبل القادة في قناة بنما والفلبين.
أما لجان الجيش والبحرية التي درست المشكلة لاحقاً، فقد تبنت وجهة نظر مخالفة، وألقت اللوم على وزارتي الحرب والبحرية.
وفي عام 1946، جرى تحقيق موسع على مستوى الكونغرس، وفي الواقع أنه لم يُدرس أي حدث في التاريخ العسكري الأمريكي بهذه الدقة قبل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول من عام 2001.
كما زعم منتقدو روزفلت أن الرئيس كان لديه بحلول مساء 6 ديسمبر/ كانون الأول دلائل واضحة على اقتراب الحرب، وكان ينبغي عليه اتخاذ تدابير عاجلة لتحذير وزارتي الحرب والبحرية.
وهناك نظريات ليس لها علاقة بنتائج التحقيقات أبرزها ما يُعرف بـ "نظرية الباب الخلفي للحرب"، ومن بين أوائل وأبرز مؤيدي هذه النظرية الأدميرال روبرت ثيوبالد، قائد قوة المهام في المحيط الهادئ، الذي تم تهميش مسيرته بعد أن اختلف مع رؤسائه وفشل في التصدي للهجمات اليابانية على جزيرتي أتو وكسكا في جزر أليوتيان التابعة لألاسكا.
لقد انتشرت خلال الحرب شائعات لا تزال قائمة حتى اليوم، تدعي أن روزفلت كان يرغب في الحرب مع اليابان لكنه كان مقيداً بالحياد، فاحتاج إلى ذريعة قوية، لذلك اتُّهم بإخفاء معلومات مسبقة عن الهجوم أو حتى التسبب فيه، بل ذهب البعض إلى القول إن الهجوم كان مدبراً عمداً من قبل رئيس "شيوعي في السر" ارتكب خيانة عظمى.
وفي كتابه "السر النهائي لبيرل هاربر" الصادر عام 1954، أكد ثيوبالد أن روزفلت "بضغط دبلوماسي مستمر" قد "أغرى" اليابان ببدء الأعمال العدائية بهجوم مفاجئ من خلال "إبقاء الأسطول في مياه هاواي كدعوة لهذا الهجوم".
ولم تحظَ هذه الفكرة بدعم كبير بين المؤرخين الرئيسيين في ذلك الوقت، كما أن الوثائق التي أُفرج عنها لاحقا والمتعلقة بإمكانات وحدود فك الشفرات الأمريكية ساعدت على تقويض نظرية "الباب الخلفي" بشكل أكبر.
خطأ فادح
على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه اليابانيون على المدى القصير، وما سببوه من إذلال للولايات المتحدة، فإن الهجوم، من منظور طويل المدى، كان خطأً فادحاً من جانب الحكومة في طوكيو.
وحتى من الناحية التكتيكية، كان هجوماً خاطئاً، ففي سعيهم لتدمير الأسطول، أهمل اليابانيون الاحتياطيات الضخمة من النفط في هاواي، والتي كان تدميرها سيشل الولايات المتحدة لعدة أشهر قادمة.
والأهم من ذلك، أن الهجوم الياباني دفع الحكومة الأمريكية إلى الدخول في الحرب، وكان أثره عكسياً حيث وحّد الشعب الأمريكي، وجعل الهزيمة النهائية للعسكريين اليابانيين أمراً حتمياً، وكان هناك قدر كبير من الرأي المعارض للحرب في الولايات المتحدة خلال خريف عام 1941.
فلو أن القادة اليابانيين ركّزوا هجماتهم على البريطانيين والهولنديين فقط، لربما لم يتمكن روزفلت من حشد الدعم الشعبي الأمريكي للدخول في حرب في المحيط الهادئ.
فكما حدث في العديد من الحالات الأخرى في تاريخ القرن العشرين، على الرغم من ضعف الديمقراطيات، ارتكبت الدول الاستبدادية أخطاء أكثر جسامة من أخطاء الديمقراطيات، وقد أدت زلات العسكريين اليابانيين إلى هزيمة شاملة وكاملة.
وتوجد عدة نصب تذكارية لضحايا الهجوم في بيرل هاربر في هاواي، وأبرزها نصب ضحايا البارجة يو إس إس أريزونا، وتحيي الولايات المتحدة ذكرى هذا الهجوم سنويا من خلال تنكيس الأعلام الوطنية أمام النصب التذكارية في بيرل هاربر.
- عندما وضع أكثر من 100 ألف أمريكي في معسكرات اعتقال
- ماو تسي تونغ: قائد "نهضة الصين" أم المسؤول عن فناء الملايين؟
- قصة قاهر هتلر الذي حارب المهديين في السودان
إقرأ المزيد


